: آخر تحديث

الكاميرا الخفية.. حين يصبح المقلب هو الضحية!

4
3
3

في البدء كان المقلب عفويًا، والكاميرا خفية فعلًا، والضحية مسكينًا لا يدري ما يخبئه له القدر. كنا نرى برامج المقالب الأجنبية فنضحك من قلبنا ونتساءل كيف وقع هذا المسكين في الفخ. كانت المقالب طبيعية والتكاليف باهظة والنتيجة مبهرة. كانوا يبنون متاجر وهمية ويستأجرون ممثلين محترفين ويخططون لأسابيع من أجل ثوانٍ معدودة من الضحك البريء.

وهناك أمثلة عالمية كثيرة أثبتت أن هذا الفن يمكن أن يكون راقيًا ومضحكًا في نفس الوقت. فهناك البرنامج الكندي الشهير Just for Laughs Gags أو "فقط للضحك" الذي يعتبر الأشهر والأكثر انتشارًا على الإطلاق منذ عام 2000. وهذا البرنامج يتميز بعدم اعتماده على الكلام نهائيًا، مما يجعله مفهومًا لأي مشاهد في أي مكان في العالم. ويعتمد على مواقف بسيطة وعفوية في الأماكن العامة تستهدف الناس العاديين دون تمثيل أو اتفاق مسبق.

وهناك أيضًا البرنامج الأميركي العريق Candid Camera الذي يعد الأقدم من نوعه، حيث بدأ من الإذاعة عام 1970، وكان يستهدف المشاهير والعامة على حد سواء، وكانوا في النهاية يخبرون الضحية أنها مزحة ويطلبون منها أن تبتسم.

ومن البرامج الممتعة أيضًا Punk'd الذي كان يقدمه الممثل أشتون كوتشر ويستهدف المشاهير فقط بإيقاعهم في مواقف مستفزة قد تصل بهم إلى حد الانهيار والبكاء، كما حصل مع المغني جاستن تمبرليك عندما وجد نفسه أمام عملاء الحكومة وهم يصادرون منزله.

وهناك Scare Tactics الذي يعتمد على الرعب، حيث يتواطأ المنتجون مع عائلة الضحية لإيقاعه في مواقف مخيفة مستوحاة من أفلام الرعب المشهورة.

ومن الإبداعات الفريدة Da Ali G Show للممثل البريطاني ساشا بارون كوهين الذي يتنكر في زي ثلاث شخصيات صحافية ويستضيف شخصيات سياسية حقيقية ليطرح عليها أسئلة سخيفة وغريبة تجعل ردود أفعالهم تتراوح بين الحرج والغضب.

وفي العالم العربي أيضًا كانت لدينا تجارب جميلة لا تُنسى. ففي الجزائر كان أول برنامج كاميرا خفية عربي انطلق عام 1970 من إخراج حاج رحيم على تلفزيون الجزائر. وفي مصر بدأ البرنامج الشهير "الكاميرا الخفية" عام 1983 بنفس صيغة Candid Camera، وقدمه الفنان الكبير فؤاد المهندس. ثم طوره بعد ذلك الفنان إبراهيم نصر بأسلوب رائع وابتكر شخصيات شهيرة مثل زكية زكريا المرأة البدينة وشخصية غباشي النقراشي الرجل الصعيدي، وكان يقوم بتنفيذ المقالب بنفسه مع الجمهور في الشارع بكل عفوية وموهبة.

وفي سوريا برع كل من زياد سحتوت وجمال شقدوحة في تقديم مقالب رائعة بدأت كفقرة في برنامج "التلفزيون والناس" عام 1988، ثم تطورت إلى برنامج مستقل اسمه "منكم وإليكم والسلام عليكم" عام 1993 واستمر لعدة مواسم.

وفي تونس كان برنامج "التمساح" أحد أبرز البرامج في هذا المجال.

وهناك أيضًا برنامج "مقلب دوت كوم" الذي قدمه أشرف عبد الباقي عام 2004، وكانت فكرته مميزة حيث كان يتلقى رسائل إلكترونية من الناس يطلبون فيها استهداف أشخاص معينين بناءً على نقاط ضعفهم الحقيقية.

هذا هو الشكل الحقيقي لفن المقالب. أما في وطننا العربي في السنوات الأخيرة فقد تطورت الأمور، تطورت إلى الخلف طبعًا. أصبح لدينا الآن "الكاميرا الخفية العلنية" أو "المقالب المتفق عليها مسبقًا" أو كما أحب أن أسميها "مسرح العبث اليومي".

تخيلوا معي يا سادة برنامج مقلب يعيش منذ سنوات بنفس الممثل وبنفس الأسلوب وبنفس الطريقة وكأن الزمن توقف عند أول حلقة. المشاهد يعرف مسبقًا أن الضحية ستدخل والمذيع سيفعل حركاته الاستعراضية، وفي النهاية سيكتشف الضحية الأمر فيغضب تمثيلًا طبعًا، ثم يعتذر المذيع ويطلب عرض البرنامج. وكأننا نشهد مسرحية هزلية يعاد عرضها كل يوم، والممثلون أنفسهم يشاركون فيها أكثر من مرة وكأنهم موظفون في شركة إنتاج.

الأمر الأكثر طرافة أن الضحية تعرف أنها ذاهبة لتسجيل مقالب. نعم لقد صدقتم. "يا فلانة تعالي نصور معاك مقلب هنضحك عليه". وهكذا تذهب الضحية وهي تعرف كل كبيرة وصغيرة، والمشاهد في البيت يعرف، والمذيع يعرف أنهم يعرفون، والكل يمثلون على بعضهم البعض أنهم لا يعرفون. إنها نظرية المؤامرة بعينها لكن في قالب كوميدي هزيل.

والأدهى من ذلك أن المشاركين يتقاضون مبالغ طائلة. لقد أصبحت المقالب مهنة ووظيفة. هناك من تخصص في "التضحية بنفسه" في هذه البرامج وربما يفاوض الآن على أجر الحلقة القادمة: "أنا موافق أتغدى أسد لكن بشرط زيادة 20 بالمئة".

أما الديكورات فحدث ولا حرج. قصور فخمة وتصميمات مبهرة ومبالغ طائلة تُصرف على إبهار بصري لا طائل منه، بينما الضحية تمثل أنها مندهشة والمشاهد يمثل أنه مصدق. إنها دورة تمثيلية متكاملة الأركان.

والواقع أن بعض النقاد يرون أن هذه البرامج الهابطة تعتمد على أفكار رديئة تتضمن ترويع الشخص أو إهانته أو إيذاء مشاعره. والأسوأ من ذلك هو قيام بعض العاملين والمشاركين فيها بغش واستغفال المشاهدين بالاتفاق المسبق على التمثيل والتزييف. وهذا هدم لإحدى ركائز الكاميرا الخفية الحقيقية وهي العفوية والمفاجأة.

والسؤال الآن: هل نحن بحاجة لمثل هذه البرامج؟ هل يعتقد القائمون عليها أن المشاهد العربي أصبح بهذا السذاجة فيتلقف أي شيء يقدم له؟ أم أنهم يتعمدون "تسطيح" عقولنا ويسيئون ظنهم بنا إلى هذا الحد؟

تأملوا معي هذا السيناريو المتكرر: الضحية تدخل المقلب، المذيع يقوم بحركاته البهلوانية، تحدث مواقف "مضحكة" بين علامتي اقتباس طبعًا، الضحية تكتشف الأمر فجأة براعة تمثيلية خارقة، الضحية تغضب تمثيل غضب طبعًا، المذيع يعتذر، الضحية تفرح وتطلب عرض البرنامج، الجميع يصفقون. نهايات سعيدة كأفلام هوليوود، لكن الفرق أن هوليوود تقدم إبداعًا ونحن نقدم لا أعرف ماذا أسميه.

وبعد كل هذا تذهب القناة لشراء برامج أخرى من نفس النوع بملايين الدولارات وكأن السوق العربي لا يحتاج إلا إلى هذا النمط من الإبداع. ربما لو قدموا برنامجًا عن كيفية صناعة الفخاخ الحقيقية لكان أفضل.

خلاصة القول، نحن نعيش في عصر "المقلب المقلوب"، حيث الضحية هي من تضحك على المنتجين، والمشاهد هو من يتعاطف مع القناة التي تدفع ملايين لتقديم هذا المستوى، والممثلون هم من يجنون الأرباح وهم نائمون على الأرائك الفخمة في ديكورات البرنامج.

يا ترى متى سنشهد برنامج مقلب حقيقي يكتشف فيه المنتجون أنفسهم أنهم وقعوا في فخ السقوط الفني المدوي؟ ربما يكون هذا هو المقلب الوحيد الذي يستحق المشاهدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.