في لحظات التحولات الكبرى لا يكون الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل يصبح جزءًا من معركة الوعي، فالكلمة في زمن الاضطراب ليست حرفًا عابرًا، بل موقفًا، وأحيانًا جدارًا يحمي المجتمعات من فوضى الروايات المتضاربة. ومن هذا المنطلق جاءت دعوة وزير الإعلام سلمان الدوسري إلى توحيد الخطاب الإعلامي الخليجي، دعوة تبدو للوهلة الأولى إعلامية، لكنها في حقيقتها دعوة استراتيجية تتصل بأمن المنطقة واستقرارها.
لقد تغيرت طبيعة الصراع في العالم المعاصر، لم تعد المواجهة محصورة في حدود الجغرافيا أو في صخب المدافع، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر خفاءً وتأثيرًا، فضاءات الإعلام الرقمي والمنصات الاجتماعية، حيث تُصنع الروايات وتُبث الشائعات وتُدار حملات التضليل. في هذه المساحات قد تصبح التغريدة أحيانًا أكثر تأثيرًا من بيان سياسي، وقد تتحول الشائعة الصغيرة إلى أزمة رأي عام إذا لم تجد خطابًا مهنيًا يواجهها.
من هنا تبرز أهمية فكرة الخطاب الإعلامي الخليجي الموحد. فدول الخليج ليست مجرد جغرافيا متجاورة، بل منظومة مترابطة من المصالح والتاريخ والثقافة والأمن المشترك، وإذا كان الاقتصاد الخليجي يتجه نحو التكامل، والسياسة نحو التنسيق، فمن الطبيعي أن يتجه الإعلام أيضًا نحو صياغة رؤية مشتركة تحمي هذا الفضاء المشترك من الحملات الموجهة.
إن توحيد الخطاب الإعلامي لا يعني تكرار العبارات أو إنتاج خطاب نمطي واحد، بل يعني وجود بوصلة قيمية مشتركة: الدفاع عن استقرار المجتمعات، مواجهة التضليل، وتعزيز الوعي العام. الإعلام في جوهره مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة، وعندما يدرك الإعلامي أنه يقف في خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع، فإنه يصبح أكثر حرصًا على الدقة، وأكثر وعيًا بخطورة الكلمة.
لقد أصبح من الواضح اليوم كيف يمكن للشائعة أن تنتشر بسرعة مذهلة، وكيف يمكن لحملات منظمة أن تحاول تشويه الحقائق أو إثارة الانقسام بين الشعوب. وفي مواجهة هذه الظواهر لا يكفي أن تعمل كل مؤسسة إعلامية بمفردها، بل المطلوب هو شبكة وعي إعلامية خليجية تتشارك في الرؤية وتتكامل في الأداء.
وما لقيته تغريدة وزير الإعلام سلمان الدوسري من تفاعل واسع بين الإعلاميين والكتاب في دول الخليج يعكس إدراكًا متناميًا لهذه الحقيقة، فالإعلاميون يدركون أن زمن العمل المنعزل قد انتهى، وأن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على قراءة المشهد الإقليمي والدولي بوعي استراتيجي.
غير أن نجاح هذه الفكرة لا يتوقف عند حدود التنسيق الرسمي بين المؤسسات الإعلامية، بل يتطلب أيضًا نضجًا مهنيًا لدى الإعلامي نفسه، أن يكون قادرًا على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين النقد المسؤول ومحاولات التشويه المتعمد. فالإعلام القوي لا يقوم على المبالغة ولا على الانفعال، بل على المعرفة والاتزان والالتزام بالحقيقة.
لذا يبقى الإعلام مرآة لوعي المجتمعات، فإذا كان الخليج قد استطاع أن يبني نموذجًا تنمويًا واستقرارًا سياسيًا لافتًا في منطقة تعصف بها الأزمات، فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يحتاج إلى خطاب إعلامي يوازيه في الحكمة والمسؤولية.
إن الكلمة حين تُكتب بوعي تتحول إلى قوة، وحين تُقال بروح مشتركة تصبح جسرًا بين الشعوب، وربما هذا ما أراد الأستاذ سلمان الدوسري الإشارة إليه، أن الخليج حين يتحدث بصوت واحد فإن رسالته لا تصل إلى أبنائه فحسب، بل إلى العالم كله.


