: آخر تحديث

العسكر والسياسة: معضلة الدولة بين الوصاية والشرعية

3
4
3

تُعدّ العلاقة بين القوى العسكرية ومنظومة الحكم السياسي من أكثر القضايا حساسيةً وتشعّبًا في مسيرة بناء الدولة الحديثة، ولا سيما في السياقات الانتقالية التي تتسم بهشاشة المؤسسات وتنازع الشرعية. فالدولة، بوصفها كيانًا سياديًا راسخًا، تحتكر العنف المشروع عبر أجهزتها الأمنية والعسكرية، بيد أن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين يتداخل هذا الاحتكار مع إدارة المجال السياسي وصناعة القرار العام.

هنا تطفو على السطح المعضلة التقليدية التي لم تبرح الفكر السياسي منذ عقود: هل الجيش حارسٌ للنظام السياسي أم فاعلٌ مستقل فيه؟ وهل تدخله ضرورة ظرفية تفرضها استثناءات التاريخ، أم انحرافٌ بنيوي عن مسار الدولة المدنية الراشدة؟

من الناحية النظرية، تقوم الدولة الحديثة على مبدأ الفصل الوظيفي بين مؤسساتها. فالجيش مؤسسة وطنية احترافية، رسالتها صون الحدود وحماية الأمن القومي من التهديدات الخارجية والداخلية البنيوية، بينما تتولى السلطة السياسية المنبثقة من إرادة الشعب، سواء أكانت منتخبة أم متوافقًا عليها، إدارة الشأن العام وفق قواعد الشرعية الدستورية ومبادئ المحاسبة.

غير أن هذا التمايز المثالي نادرًا ما يتحقق في الواقع، خاصة في الدول التي تعاني من إخفاق البنية الحزبية، وضمور التقاليد الديمقراطية، وغياب البيئة السياسية بعد عقود من الاستبداد، وارتباك مفهوم الشرعية بين مصادره التقليدية والحديثة.

التجارب المقارنة كشفت بجلاء أن تدخل العسكر في السياسة كثيرًا ما يُسوَّغ بخطاب الاستقرار، ودرء الفوضى، وصون الدولة من شبح الانهيار. وفي سياقات بعينها، قد تجد شريحة من الرأي العام نفسها منحازةً إلى هذا التدخل حين يكون البديل انزلاقًا نحو الاقتتال الأهلي أو التفسخ المؤسسي.

غير أن مكمن الإشكال لا يقتصر على لحظة التدخل ذاتها، بل يمتد إلى ما يعقبها: هل يعود الجيش إلى وظيفته الطبيعية بعد ما يُسمى بـ "تصحيح المسار"، أم يتحول تدريجيًا إلى فاعل دائم راسخ في بنية الحكم، يعيد تشكيل قواعد اللعبة السياسية وفق منطقه الخاص؟

من منظور علم السياسة المقارن، يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسة لحضور العسكر في المجال السياسي:

نمط الوصاية العسكرية: يحتفظ فيه الجيش بدور رقابي غير مباشر في الخلفية، متدخلًا عند المنعطفات الكبرى دون أن يضطلع علنًا بمقاليد السلطة التنفيذية. وهو نمط يحافظ ظاهريًا على الواجهة المدنية، لكنه يُفرغها في الغالب من مضامينها الفعلية.

نمط الحكم العسكري المباشر: تتولى فيه القيادات العسكرية السلطة التنفيذية مباشرةً، إما عبر عمل عسكري أو عبر ترتيبات انتقالية تمتد حتى تتكرّس، مهمِّشةً المؤسسات التمثيلية ومعطِّلةً آليات المحاسبة الديمقراطية.

نمط التداخل البنيوي: وهو الأكثر تعقيدًا والأصعب تشخيصًا، إذ تبقى الواجهة مدنية في شكلها، لكن مراكز القرار الفعلية موزعة بصورة ضبابية بين النخب السياسية والعسكرية، في شبكة من التوافقات الضمنية التي تحول دون المساءلة الحقيقية.

المشكلة الجوهرية في النمطين الثاني والثالث تكمن في ضمور آليات المساءلة وغموضها. فالحكم السياسي يستلزم وجود أطر واضحة للمحاسبة عبر صناديق الاقتراع والبرلمان والإعلام الحر والقضاء المستقل.

في المقابل، المؤسسة العسكرية في طبيعتها الهرمية المغلقة قائمة على مبدأ الطاعة لا الجدل، والأوامر لا التحاور والتفاوض. وحين تنتقل هذه الثقافة المؤسسية إلى المجال السياسي، فإنها تُفرز نظامًا أقل احتمالًا للمعارضة، وأشد ميلًا إلى الحسم حين تواجهه التحديات السياسية، مما يضيّق تدريجيًا هوامش الحرية العامة.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن ثمة أنظمة شهدت حضورًا عسكريًا وازنًا، نجحت في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي أو النمو الاقتصادي في مراحل بعينها. غير أن التأمل العميق في هذه التجارب يكشف أن الاستقرار المرتكز على مركزة القوة دون توسيع قاعدة المشاركة السياسية يظل هشًا في جوهره، قابلًا للتشقق عند أول أزمة اقتصادية أو اجتماعية حادة. فالتنمية الحقيقية المستدامة لا تقوم فقط على ضبط الأمن وإسكات الاحتقان، بل على تشييد مؤسسات شرعية قادرة على استيعاب التعددية وإدارة الاختلاف ضمن قواعد تعاقدية واضحة.

السؤال الجوهري إذًا ليس سؤالًا أخلاقيًا صرفًا، بقدر ما هو سؤال مؤسسي حضاري: كيف يمكن ضبط العلاقة بين الفضاء المدني والفضاء العسكري، بحيث تُشيَّد الدولة على أسس صلبة دون أن يُختزل المجال السياسي في منطق الوصاية؟ التجارب الناجحة تشير إلى أن الحل لا يكمن في إقصاء القوى العسكرية أو شيطنتها، بل في إعادة تعريف دورها ضمن إطار دستوري متين يحدد آليات اندماجها في منظومة الحوكمة، ويضمن خضوعها للرقابة المدنية، ويتيح لها العودة إلى دورها الوطني الأصيل دون المساس باحترافيتها أو الانتقاص من مكانتها.

تحقيق هذه المعادلة يستلزم 3 شروط متكاملة: أولها بناء طبقة سياسية ناضجة قادرة على تحمّل المسؤولية وامتلاك رؤية استراتيجية حقيقية للأمن القومي، بدلاً من إيكال هذا الملف الحيوي كليًا إلى المؤسسة العسكرية بحكم الاستسهال أو الإخفاق. وثانيها إصلاح مؤسسي عميق يحدد دور القوى العسكرية في العملية السياسية وآليات اتخاذ القرار في القضايا الاستراتيجية الكبرى، ضمن حدود يرسمها القانون لا الموازين الآنية. وثالثها تنمية ثقافة سياسية عامة تُدرك أن قوة المؤسسة العسكرية الحقيقية لا تنبع من هيمنتها على المشهد السياسي، بل من مهنيتها وجاهزيتها وابتعادها عن وحول الاستقطاب الحزبي.

في السياق العربي تحديدًا، تشابكت العلاقة بين العسكر والسياسة بفعل إرث انقلابي ثقيل، وصراعات شرعية متجذرة، وإخفاق مؤسسات الدولة الوليدة في مرحلة ما بعد الاستقلال في ترسيخ نفسها.

في كثير من الحالات، وُلدت الأنظمة الجمهورية من رحم المؤسسة العسكرية ذاتها، مما جعل التمييز بين الدولة والنظام، وبين الجيش والسلطة، مسألةً تلتبس على الممارسين قبل الباحثين. ومع تراكم السنوات، تكوّنت شبكات مصالح اقتصادية وأمنية متداخلة عمّقت هذا التشابك وأعاقت أي انتقال سلس نحو نموذج مدني فاعل.

بيد أنَّ التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتصاعدة وأزمات الحوكمة المتراكمة، باتت تفرض إعادة النظر الجدية في أنماط الحكم التقليدية. فالعالم يتجه بلا رجعة نحو نماذج حوكمة أكثر انفتاحًا ومأسسةً، يتقدم فيها الكفاءة والشفافية على حسابات الهيمنة الشخصية والاعتبارات الفئوية الضيقة. وأي دولة تطمح إلى استقطاب الاستثمار وبناء اقتصاد تنافسي وتعزيز مكانتها في المنظومة الدولية، إنما تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة سياسية تستند إلى شرعية واضحة، قابلة للتجديد والتداول.

خلاصة القول، إنَّ مسألة العلاقة بين العسكر والسياسة ليست قضية شعاراتية تُختزل في تأييد مطلق أو رفض قاطع، بل هي قضية بنيوية تتشابك فيها طبيعة الدولة ومستوى تطورها المؤسسي وقدرتها على إدارة التوازن الدقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات الحرية. الدولة الحقيقية القوية ليست تلك التي يهيمن فيها طرف على آخر، بل التي تنجح في توزيع الأدوار بوضوح وتكريس سيادة القانون على الجميع دون استثناء. وحين تتكامل الشرعية السياسية مع الاحتراف العسكري في إطار دستوري ناظم، تستطيع الدولة أن تُحصّن نفسها من مخاطر الانهيار دون أن تدفع ثمنًا باهظًا من رصيدها الديمقراطي.

التحدي الحقيقي أمام دولنا لا يكمن في الاختيار بين شعار "حكم مدني" وشعار "حكم عسكري"، بل في صياغة عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين القوة والشرعية، ويضع مصلحة الوطن الجامعة فوق حسابات الهيمنة والاستئثار. فالمعادلة الرشيدة لا تقوم على تغليب منطق السلاح على منطق السياسة، ولا على إضعاف مؤسسات الأمن وتجريدها من هيبتها، بل على إقامة توازن محكم يضمن في آنٍ واحد بقاء الدولة واستدامة شرعيتها واتساع فضائها الحر. ذلك هو الرهان الحضاري الكبير الذي تواجهه مجتمعاتنا في هذه المرحلة الفارقة من تاريخها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.