تشهد إيران اليوم أخطر مرحلة في تاريخ نظام ولاية الفقيه منذ تأسيسه، حيث تزامن مقتل علي خامنئي في حرب مفروضة مع فراغ في رأس هرم السلطة وصراع محتدم بين مراكز القوة المتعددة في الداخل. وفي خضم هذا الفراغ، أقدم مجلس خبراء القيادة، تحت ضغط مباشر من الحرس، على تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا في خطوة تمثل تتويجًا لعملية توريث مكشوفة للسلطة الدينية السياسية في إيران. غير أن هذه الخطوة، بدلاً من أن تؤمن استمرارية النظام، تعمق أزمته البنيوية وتسرع مسار تفككه.
أولًا، اختيار مجتبى خامنئي نفسه يكشف ضعف النظام وليس قوته. فالرجل، على عكس والده الذي راكم على الأقل مسيرة علنية في مؤسسات النظام، لم يشغل أي منصب رسمي ولم يكن عضوًا في مجلس خبراء القيادة، واستند صعوده فقط إلى شبكات أمنية عسكرية ومالية مرتبطة بالحرس وببيت خامنئي. هذا يعني أن الولاية الجديدة لا تقوم على أي رصيد شعبي أو ديني أو سياسي، بل على منطق الغلبة الأمنية وفرض الأمر الواقع. وهكذا يتحول ما كان يفترض أن يكون "ولاية فقيه" إلى "ولاية موروثة" مكشوفة، الأمر الذي يقوض الشرعية الأيديولوجية التي ادعى النظام بها إسقاط نظام الشاه الوراثي عام 1979.
ثانيًا، عملية التعيين نفسها تمت في مناخ من الانقسام والضغط والتهديد. تقارير متقاطعة أشارت إلى أن الحرس مارس ضغوطًا مكثفة على مجلس خبراء القيادة لتمرير اسم مجتبى، وأن عددًا من الأعضاء امتنعوا عن حضور جلسة التصويت احتجاجًا على هذه الإملاءات. هذا يعني أن المؤسسة الوحيدة التي يمنحها الدستور دور اختيار القائد لم تعد قادرة على القيام بوظيفتها حتى في الإطار الشكلي، وأن القرار الحقيقي انتقل إلى محور أمني عسكري يتحكم بالمخرجات. وفي مثل هذا السياق، يصبح "المرشد الجديد" أسير التوازنات داخل الحرس وليس "ولي فقيه" فوق الأجنحة.
ثالثًا، تزامن توريث الولاية مع حالة مأزق استراتيجي في الحرب الدائرة. فالمواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وما رافقها من ضربات مركزة على البنية العسكرية والقيادية للنظام، أضعفت قدرة طهران على الاستمرار في سياسة "الهجوم للردع" التي اعتمدتها خلال السنوات الماضية. تقارير دولية تحدثت عن تراجع ملحوظ في وتيرة الضربات الصاروخية الإيرانية نتيجة الأضرار التي لحقت بمنصات الإطلاق وتآكل المخزون وتسارع الاستنزاف. في هذا الوضع، لا يستطيع مجتبى أن يعيد إنتاج صورة "القائد المحارب"، بل يرث حربًا خاسرة وخيارات محدودة.
رابعًا، الحرب نفسها عمقت التناقضات داخل مراكز القرار في طهران. فبينما يدفع محور الحرس إلى تصعيد العمليات لضمان "هيبة الردع"، برزت أصوات داخل الحكومة وأجهزة إدارة الأزمة تدعو إلى تجنب توسيع الحرب مع دول الجوار والبحث عن مخارج دبلوماسية، كما تعكسه مواقف رسمية حاولت طمأنة دول المنطقة والتأكيد على عدم استهدافها مباشرة. هذه الازدواجية في الخطاب بين "تهدئة" معلنة و"تصعيد" عملي تشير إلى تعدد مراكز الأمر والنهي وتباين القراءات الاستراتيجية، ما ينزع عن الولي الفقيه الجديد دوره المفترض كمرجع أوحد للفصل وحسم الاتجاه.
خامسًا، على المستوى الداخلي، جاء توريث الولاية بعد موجات احتجاج واسعة في إيران خلال السنوات الأخيرة، بلغت ذروتها في انتفاضات 2022 و2026 التي رفعت شعارات إسقاط النظام برمته، وليس تغيير أشخاصه. ذاكرة الشارع الإيراني ما تزال حية تجاه القمع الدموي والفساد والأزمات الاقتصادية، ولم يعد يقبل الخطاب الديني الرسمي الذي يبرر التضحيات تحت شعار "الدفاع عن النظام". تعيين مجتبى، بصفته رمز استمرار نفس النهج ونفس الدائرة الضيقة الحاكمة، لا يوفر للنظام أي متنفس اجتماعي، بل يفاقم شعور قطاعات واسعة من الشعب بأن كل مداخل الإصلاح مغلقة، وأن الخيار الوحيد هو التغيير الجذري.
سادسًا، من زاوية تركيب السلطة، لا يغير وجود مجتبى على قمة الهرم من حقيقة أن الحرس بات الكتلة المهيمنة في الاقتصاد والسياسة والأمن، يتحكم بمفاصل الدولة ويمسك بمفاتيح القرار الحقيقي. هذا التوازن المختل يجعل من "الولي الفقيه الجديد" غطاء شرعيًا لسلطة عسكرية أمنية على الأرض، وهو ما يعني أن أي تعمق للأزمة الاقتصادية أو توسع للاحتجاجات سيضع الحرس في مواجهة مباشرة مع المجتمع ومع القوى الدولية، بينما يبقى مجتبى عاجزًا عن لعب دور الوسيط أو صمام الأمان. فشخصية بهذا الحجم المحدود، وهذا الارتهان لمركز قوة واحد، لا يمكنها إعادة بناء توازن جديد في نظام مأزوم من أساسه.
أخيرًا، إن جوهر الأزمة ليس في اسم المرشد، بل في طبيعة نظام ولاية الفقيه الذي جمع بين الاستبداد الديني والحكم العسكري والفساد الاقتصادي والحروب الخارجية. توريث الولاية لمجتبى خامنئي لا يعالج أيًا من هذه التناقضات، بل يضغط عليها في لحظة حرب وعزلة إقليمية ودولية وتصاعد لنشاطات المعارضة المنظمة داخل وخارج إيران. من هنا فإن "الولي الفقيه الجديد" لا يملك لا الوقت ولا الأدوات ولا الشرعية لتمديد عمر نظام بلغت تناقضاته حد الانفجار، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية يتراجع فيها وزن ولاية الفقيه نفسها لصالح بدائل ديمقراطية يطالب بها الشعب الإيراني وقواه المقاومة منذ سنوات طويلة.


