في كل مرة تقترب فيها بطولة كأس العالم، يبدو الكوكب وكأنه يتهيأ لطقسٍ إنساني نادر لا علاقة له بالسياسة بقدر ما يتعلق بما تبقّى من إنسانية السياسة، فبينما تتقاطع فوق رؤوس البشر أخبار الحروب والصواريخ والحدود والأساطيل، تنبثق كرة صغيرة من العشب الأخضر لتذكّر العالم بأن البشر قادرون -ولو لأيام قليلة- على الاجتماع حول حلمٍ واحد لا حول خلافٍ واحد..!
واليوم تنطلق النسخة الجديدة من البطولة في زمنٍ مثقلٍ بالأسئلة الكبرى، حيث أوروبا التي لم تفق بعد من آثار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والشرق الأوسط الذي يعيش على إيقاع توترات متلاحقة وصراعات مفتوحة، يجدان نفسيهما أمام حدثٍ عالمي يعيد تعريف الأولويات الإنسانية، فالجماهير التي تنقسم حول الجغرافيا والأيديولوجيا تتوحد فجأة أمام شاشة واحدة، وتكتشف أن الانفعال بهدفٍ جميل أكثر قدرة على جمع القلوب من آلاف الخطب السياسية.
والحقيقة أنه ومنذ انطلاقتها الأولى، لم تكن كأس العالم مجرد منافسة رياضية، لقد تحولت مع الزمن إلى أحد أكبر مواسم اللقاء الإنساني في التاريخ الحديث، ففي المدرجات تتجاور الأعلام التي قد تختلف حكوماتها، ويتبادل الغرباء الابتسامات بلغاتٍ لا يعرفونها، وتولد صداقات عابرة للقارات بسبب تمريرة أو هدف أو لحظة دهشة مشتركة، وربما لهذا السبب بقيت البطولة حدثًا يتجاوز حدود الرياضة إلى مساحةٍ أشبه بمهرجان عالمي للهوية الإنسانية، وعلى امتداد تاريخها الطويل، منحت كأس العالم دولًا كثيرة فرصة الخروج من ظلال الجغرافيا إلى ضوء الذاكرة العالمية، فكم من بلدٍ لم يكن حاضرًا بقوة في خرائط السياسة أو الاقتصاد، أصبح اسمه مألوفًا لمليارات البشر بفضل كرة القدم، لقد تعرّف العالم إلى ثقافات وشعوب ومدن وتقاليد عبر الملاعب أكثر مما تعرّف إليها عبر الكتب أو نشرات الأخبار، بعض الدول الصغيرة وجدت في المنتخب الوطني سفيرًا يفوق في تأثيره عشرات السفارات، وفي اللاعب الموهوب خطابًا ثقافيًا أكثر قدرة على الوصول من آلاف البيانات الرسمية، فكرة القدم هنا لا تمارس دورها كلعبة فحسب، بل كقوة ناعمة بالغة التأثير، فهي تعيد تقديم الشعوب إلى العالم من خلال أجمل ما فيها حيث الفرح، والإبداع، والإصرار، والحلم، وحين ينجح منتخبٌ مغمور في إرباك القوى التقليدية فإنه لا يحقق انتصارًا رياضيًا فقط، بل يعلن وجود أمة كاملة كانت تنتظر لحظتها في الضوء، وربما تكمن عبقرية كأس العالم في أنها لا تعد البشر بالسلام الدائم، لكنها تذكرهم بإمكانه.. لا توقف الحروب.. لكنها تمنح الإنسانية استراحة قصيرة من ضجيجها، لا تلغي الحدود حين تجعلها أقل صلابة لبعض الوقت، ولهذا تبقى البطولة أكثر من مجرد كأس تُرفع أو ميدالية تُعلّق، إنها لحظة كونية يتذكر فيها الإنسان أن انتماءه الأول قبل الأعلام والخرائط، هو إلى هذا الكوكب الذي يسع الجميع، وفي زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الانقسام، تبدو كرة القدم أحيانًا آخر القصائد الجماعية التي ما زال العالم قادراً على إنشادها بصوت واحد..!

