تشرقُ في بلادنا شمسُ الرعاية السامية كل يوم، وتتجلى عزيمة القيادة الرشيدة التي جعلت من "تمكين الإنسان" نبضاً وطنياً لا يتوقف، فغدت حقوق ذوي الإعاقة مكتسباتٍ راسخة، ومساراتٍ مضيئة تهدف إلى دمجهم، وتنمية قدراتهم، وضمان كرامتهم في أسمى صورها، وهو نهجٌ إنسانيٌ متفرد يضعنا جميعاً أمام أمانة الحفاظ على روحِ هذه الرعاية من أي خللٍ إجرائيٍ قد يعيقُ مسيرتها.
تكمنُ المعضلة اليوم في تصادمِ معايير القبول بين وزارة التعليم ووزارة الموارد البشرية؛ حيث تحكمُ هذه المعايير "معدلات ذكاء" محددة، كان النظام سابقاً يوزع من خلالها الأدوار بانسجام: فالأطفال الذين يملكون قدراتٍ إدراكية (بمعامل ذكاء 55 فأكثر) تتبناهم وزارة التعليم، بينما تستقبل مراكز الرعاية التأهيلية التابعة لوزارة الموارد البشرية من هم دون ذلك. ولكن، مع التعديل الأخير الذي حصر القبول في مراكز الرعاية بمن هم (أقل من 50) فقط، نشأت فجوةٌ إقصائيةٌ طالت الأطفال ممن يقعُ معامل ذكائهم بين (50 و55)؛ فهم في نظر التعليم غير مؤهلين لافتقارهم للاستقلالية في المهارات الحياتية كالنظافة الشخصية، وفي نظر الموارد البشرية أصبحوا "خارج النطاق الرقمي" للرعاية.
تلك الفجوة واقعٌ مريرٌ أدى إلى حرمان هؤلاء الأطفال من أبسط حقوقهم، وفوجئت أسرهم برفض تسجيلهم رغم تلقيهم الخدمات لسنواتٍ طويلة، فالنتيجة الصادمة هي بقاء 10 آلاف طفل رهائن بيوتهم، بلا تعليمٍ يستوعب احتياجاتهم، وبلا تأهيلٍ ينمي قدراتهم، ما يعني انتكاسةً مؤلمةً لمهاراتهم، وعبئاً نفسياً وجسدياً لا يُطاق على أسرهم، التي تقف اليوم عاجزة أمام هذا الانغلاق المفاجئ، محاصرةً بمسؤولية رعاية طفلٍ كان النظامُ يرعاهُ، ثم صارَ فجأةً خارج أسوار الخدمة، لتعيش هذه الأسر حالةً من القلق الدائم والارتباك الوجودي في مواجهة مجهولٍ لا يرحم.
يبرزُ هنا السؤالُ الصعب: أين يذهبُ هؤلاء الأبناء؟ ولماذا هذا التضاربُ البيروقراطي الذي يُحيلُ الطفلَ إلى "رقمٍ" لا يجدُ لنفسه مكاناً؟ إنَّ هذا التناقض نابعٌ من غياب التنسيق البيني، حيث تتبادل الجهاتُ المسؤولية، بينما يدفعُ المواطنُ ثمنَ اختلافِ المعايير.
نعلم جميعاً أن نجاح أي وزارة يكمن فيما تقدمه من خدمات، وليس في تقليصها، كما أنني على يقين أن توجيهات القيادة الرشيدة -التي أصبحت من مستهدفات رؤية 2030- تشدد على زيادة من يتلقون الخدمة من ذوي الإعاقة بشكل كريم وفق منظومة عمل متكاملة تشمل جميع الوزرات المعنية بالأمر، وليس العكس.
إنَّ الحل بيد لجنة تنسيقية عليا، تملك صلاحيةَ اتخاذ قرارٍ استثنائيٍ إنساني، يضعُ مصلحةَ الطفلِ فوق قيود التصنيف، فالدولة التي أنفقت الغالي والنفيس لتمكينِ أبنائها، لا ترضى بأن يضيعَ أيٌ من أطفالها في "منطقةِ ظلٍ" صنعها اختلاف الأرقام.

