: آخر تحديث

كم عمراً للعيش يكفينا؟

2
2
2

سارة النومس

العيش مدى الحياة، أو الحصول على أدوية تطيل العمر، أفكار يتحدث عنها كثيرون بصورة جذابة تجعل البقاء لعقود طويلة أمراً مغرياً. وتدخل نظريات المؤامرة في هذا النقاش.

قال أحدهم إن والده كان يخشى الموت كثيراً عندما يتوفى صديق له أو قريب، وكان يتحدث باستمرار عن خوفه من النهاية. واليوم تجاوز عمره المئة، لكنه أصبح وحيداً بعد أن رحل جميع أبناء جيله إلى رحمة الله تعالى، وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كنا نتمنى العيش لفترة أطول، فهل ذلك نابع من حبنا للحياة رغم ما فيها من حروب ودمار وفساد؟ أم أنه خوف من الرحيل قبل أن نترك أثراً أو نحقق إنجازاً يستحق الذكر؟

سمعت سؤالاً من فتاة متعلمة لا ينقصها شيء، سألتني: كيف أقوم بعمل الخير كي يجزيني الله عليه؟ استوقفني السؤال أكثر مما استوقفتني الإجابة. فهذه الفتاة قد أنهت دراستها الجامعية، وتستطيع الوصول إلى آلاف المصادر بضغطة زر. لكنني أدركت أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في نمط حياة مزدحم بالأنشطة الاجتماعية والترفيه المستمر، حتى أصبح الوقت المخصص للتأمل والقراءة والبحث محدوداً للغاية.

كثير منا يعيش اليوم وسط دوامة لا تنتهي من المناسبات ووسائل التواصل الاجتماعي. نقضي ساعات طويلة في متابعة أخبار الآخرين وإنجازاتهم وصور رحلاتهم، بينما تتسرب أيامنا بهدوء دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا: ماذا أنجزنا نحن؟ وما الأثر الذي أضفناه لحياتنا وحياة من حولنا؟

الهاتف يلتهم الوقت دون أن نشعر، قد نحتاج إلى عمر إضافي كي نلحق بكل ما يعرض علينا من مقاطع وبرامج ومنصات لا تنتهي. وبينما ننشغل بما يفعله الآخرون، تغيب عنا حقيقة أن الإنجاز يحتاج إلى وقت وتركيز والتزام، لا إلى المزيد من التصفح.

أعترف أن كلمة «تنظيم» كانت في يوم من الأيام ثقيلة على نفسي. كنت أتساءل: كيف أنظم وقتي وأنا مشغولة طوال الوقت؟ لكنني اكتشفت أن السر يبدأ من ترتيب الأولويات. عندما تضع الصلاة، والعمل، والعائلة في أماكنها الصحيحة، يصبح الالتزام أسهل وأكثر وضوحاً. وأرى أن الصلاة ليست مجرد عبادة عظيمة فحسب، بل تدريب يومي على الانضباط وإدارة الوقت والوفاء بالالتزامات.

وعندما يكون الهاتف مصدراً دائماً للتشتيت، فلا بد من قرار حازم يحدد أوقاتاً واضحة لاستخدامه، بدلاً من أن يستخدمنا هو. فالحزم مع النفس ليس قسوة، بل احترام للوقت والعمر والطاقة.

كما أن تعلُّم قول كلمة «لا» مهارة لا تقل أهمية عن أي مهارة أخرى. من لا يرفض بعض الدعوات والأنشطة غير الضرورية سيجد نفسه منشغلاً طوال الوقت دون أن يتقدم خطوة نحو أهدافه. أما من يحترم وقته، فإنه يختار بعناية أين يصرف ساعات عمره. يمكنه قراءة كتاب، أو تعلم مهارة جديدة، أو زيارة الأهل، أو ممارسة الرياضة، أو حتى الجلوس مع النفس للتفكير والتخطيط.

الوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان، وكل دقيقة تمضي لا يمكن استعادتها. لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كيف نعيش عمراً أطول؟ بل كيف نجعل العمر الذي نملكه أكثر قيمة وأعمق أثراً؟

لذلك، إذا سألك أحدهم سؤالاً تراه بديهياً أو غريباً، فلا تسارع إلى لومه أو السخرية منه. فزمننا هذا مليء بالمشتتات التي تسرق الانتباه وتضعف الرغبة في التعلم والبحث. وربما يكون السؤال البسيط الذي يطرحه شخص ما دليلاً على أنه بدأ أخيراً رحلة البحث عن معنى أعمق للحياة، وهي رحلة تستحق كل التشجيع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد