: آخر تحديث

الجينوم الرياضي.. هل آن أوان اكتشاف خريطة المواهب السعودية؟

3
3
3

لسنوات طويلة، ظل اكتشاف المواهب الرياضية يعتمد على عين المدرب، واجتهاد الكشاف، وكثرة البطولات المدرسية والأحياء.

ورغم أهمية هذه الوسائل، فإنها لا تزال تعتمد على التجربة والخطأ، وقد تهدر سنوات في تدريب لاعب لا يملك المقومات الفسيولوجية المناسبة للعبة التي يمارسها، بينما يبقى لاعب آخر، يملك الاستعداد الوراثي، بعيدًا عن أعين الجميع.

اليوم يطرح العلم سؤالًا مختلفًا: ماذا لو استطعنا أن نفهم الخريطة الجينية للمجتمع السعودي وحاراته؟ ليس من أجل صناعة أبطال داخل المختبر، ولكن من أجل توجيه كل موهبة إلى المكان الذي يمكن أن تزدهر فيه.

المملكة ليست بيئة واحدة، هي قارة صغيرة بتنوعها الجغرافي والبشري، فالمرتفعات، والسواحل، والصحارى، والسهول، والتاريخ السكاني المتنوع، كلها عوامل قد تجعل بعض السمات الوراثية أكثر حضورًا في منطقة من أخرى.

وهذا لا يعني إطلاقًا أن منطقة أفضل من أخرى، وإنما يعني أن لكل مجتمع خصائصه التي تستحق الدراسة العلمية بعيدًا عن الانطباعات والأحكام المسبقة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني للجينوم الرياضي، يدرس الخصائص الوراثية للسكان في مختلف مناطق المملكة، ويربطها بالقدرات البدنية والفسيولوجية، مع مراعاة البيئة والتغذية والتدريب والعوامل النفسية. فالرياضة ليست جينًا واحدًا، وإنما منظومة معقدة تتداخل فيها مئات العوامل.

قد تكشف هذه الدراسات -على سبيل المثال- أن بعض البيئات تمتلك استعدادًا أكبر لرياضات التحمل، بينما تبرز في مناطق أخرى سمات مرتبطة بالقوة أو السرعة أو المرونة أو الاستجابة التدريبية. عندها لن يكون اكتشاف المواهب رحلة عشوائية، سيكون عملية أكثر دقة وكفاءة.

تخيل حجم الوقت والمال الذي يمكن توفيره عندما تُوجَّه برامج اكتشاف المواهب منذ البداية إلى البيئات الأكثر ملاءمة لكل لعبة، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام كل فرد لإثبات نفسه.

فليس المقصود أن نقول إن ابن منطقة معينة لا يصلح إلا لرياضة محددة، وإنما أن نستخدم البيانات لتوسيع فرص النجاح، لا لتقييدها.

لكن هذا المشروع يجب أن يُبنى على أسس علمية وأخلاقية واضحة. فالعلم حتى اليوم لا يجيز استخدام الفحوص الجينية وحدها لاختيار اللاعبين أو استبعادهم، لأن الأداء الرياضي لا تحدده الجينات وحدها، فهو يتشكل من التدريب والانضباط والبيئة والتغذية والدافعية والفرص المتاحة. لذلك فإن الجينوم ينبغي أن يكون أداة مساعدة ضمن منظومة شاملة، لا حكمًا نهائيًا على مستقبل الرياضي.

إن المملكة تمتلك اليوم واحدًا من أكبر المشاريع الوطنية في علم الجينوم البشري، وتمتلك كذلك استثمارات ضخمة في القطاع الرياضي، ضمن مستهدفات رؤية 2030.

وربما حان الوقت لالتقاء هذين المسارين في مشروع وطني مشترك بين القطاعات الرياضية والجامعات والمراكز البحثية، هدفه بناء قاعدة بيانات علمية تخدم مستقبل الرياضة السعودية.

لقد تجاوز العالم مرحلة الاكتفاء بالبحث عن الموهبة، وأصبح يبحث عن فهمها.

ونحن أولى بأن نقرأ مجتمعنا قراءة علمية دقيقة، لا لنصنع تمييزًا بين المناطق، ولكن لنكتشف الإمكانات الكامنة في كل منطقة، ونمنح كل طفل فرصة أن يجد الرياضة التي تناسبه حقًا.

فالإنجازات الرياضية الكبرى لا تبدأ في منصة التتويج، تبدأ من سؤال علمي جيد، وربما يكون سؤال الجينوم الرياضي أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تطرق أبواب الرياضة السعودية في السنوات القادمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد