عبدالعزيز الكندري
تعيش الأسر هذه الأيام فرحة كبيرة بتخرج أبنائها من المدارس، وهي فرحة مستحقة خصوصا بعد سنوات من الجهد والتعب والتحديات... وإن اختيار التخصص الجامعي لم يعد قراراً مرتبطاً بالرغبة الموقتة، بل هو استثمار في مستقبل الأبناء، لذلك احرصوا على توجيه أبنائكم نحو التخصصات التي تجمع بين ميولهم الشخصية واحتياجات سوق العمل في السنوات المقبلة خصوصاً في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لأن التأثير المتسارع للذكاء الاصطناعي على سوق العمل كبير جداً. لا أقول خلال السنوات بل الأشهر والأسابيع المقبلة، والثورة التقنية الحالية تختلف عن الموجات السابقة لأنها لا تستبدل الأدوات فقط، بل تعيد تشكيل طبيعة الوظائف نفسها. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن كثيراً من المهن التقليدية ستختفي خلال السنوات المقبلة، ما يجعل تعلم مهارات الذكاء الاصطناعي ضرورة للأجيال الجديدة وليس خياراً.
وهناك عدد من الوظائف أصبح مهدّداً بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام بسرعة ودقة، ومثال ذلك ما يحصل هذه الأيام في كبرى شركات قطاع الإنتاج والتصنيع، ونلاحظ ذلك في مصانع السيارات الحديثة، لأن تطوير الأنظمة الآلية قلل من الطلب على الموظفين، وأحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في قطاع الصناعة من خلال التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، ومراقبة الجودة المعززة، وتحسين استهلاك الطاقة، وإدارة سلسلة التوريد، وزيادة الإنتاجية باستخدام الروبوتات والأنظمة الذكية لأتمتة المهام المتكررة.
وأعلنت شركة «بلوك»، إحدى أكبر شركات التكنولوجيا المالية عالميا، عن تسريح نحو 4 آلاف موظف من إجمالي 10 آلاف يعملون لديها، في خطوة وصفتها الشركة بأنها جزء من إعادة هيكلة إستراتيجياتها المالية والتشغيلية.
وأكد مؤسسها ورئيسها التنفيذي جاك دورسي، أن السبب وراء التسريحات هو اعتماد الشركة على الذكاء الاصطناعي، قائلاً «فريق أصغر يستخدم هذه الأدوات يمكنه إنجاز المزيد وبجودة أفضل، وهذه خطوة متأخرة والعديد من الشركات ستتخذ خطوة مماثلة في نهاية المطاف».
وفي مقالة بعنوان «انطلاق عصر الذكاء الاصطناعي»، نشرها بيل غيتس، توقع أن تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي الأداة المحورية في التعليم، ما سيؤدي إلى تحول جذري في طرق التدريس وأساليب التعلم، وأن هذه التقنيات ستتمكن من التعرف على اهتمامات المتعلم وأساليبه الشخصية في التعلم، ما يتيح لها تصميم محتوى مخصص له يحافظ على تفاعل عقله ونشاطه.
وتوقع توماس فراي، المدير التنفيذي لمعهد دافنشي الأميركي أنه «بحلول عام 2030، ستكون أكبر شركة على الإنترنت هي شركة قائمة على التعليم، لم نسمع بها حتى الآن». وإذا تمكنت منصة تعليمية تديرها تقنيات الذكاء الاصطناعي من الهيمنة على المشهد التعليمي العالمي، سيكون بإمكانها الوصول إلى أكثر من 1.5 مليار طالب ومتدرب في مختلف أنحاء العالم وبالعديد من اللغات.
ويمكن لهذه المنصة أن تكون مجانية كلياً أو جزئياً بتمويل من عائدات الإعلانات، مثل نموذج الأعمال الذي اعتمده محرك البحث غوغل.
وحجم سوق التعليم العالمي قد يصل إلى 10 تريليونات دولار بحلول عام 2030، وأن تلعب تكنولوجيا التعليم دوراً محورياً وحاسماً في تحقيق ذلك.
ورغم هذه التحديات إلا أن الذكاء الاصطناعي لن يقضي على فرص العمل بالكامل الموجودة في الأسواق، بل سيخلق وظائف جديدة، وتشير التوقعات إلى أن التقنية قد تستبدل نحو 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، لكنها في المقابل ستوفر حوالي 170 مليون وظيفة جديدة في مجالات مثل تطوير الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية.
ويؤكد المختصون في الذكاء الاصطناعي أن مفتاح النجاح في المستقبل هو المرونة والتعلم المستمر، فالمهارات التقنية تتغير بسرعة، والمستقبل سيكون قائماً على بيئات العمل الهجينة التي يتعاون فيها الإنسان مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من منافسته، لذلك فإن أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الآباء لأبنائهم اليوم هو تعليمهم مهارات الذكاء الاصطناعي، والبرمجة، وتحليل البيانات، وحل المشكلات، حتى يصبحوا قادرين على قيادة التقنية وتوجيهها، لا أن يكونوا ضحايا للتغيرات التي ستفرضها الأسواق.

