حسن اليمني
انتهت مشاركة المنتخب السعودي في كأس العالم بنتائج لم ترقَ إلى طموحات الجماهير، فانطلقت موجة واسعة من النقد عبر البرامج الرياضية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتباينت الآراء بين تحميل المسؤولية للاعبين، أو للمدرب، أو لإدارة المنتخب، أو لاتحاد كرة القدم، وهي ردود فعل طبيعية يفرضها حجم التطلعات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمن يمثل الوطن في أهم المحافل الرياضية. ولا شك أن اللاعبين بذلوا ما استطاعوا من جهد، فهم في النهاية أبناء هذا الوطن، ولا يمكن التشكيك في رغبتهم في تقديم أفضل ما لديهم، لكن الرياضة، كما هي الحياة، لا تُدار بالنوايا الحسنة، وإنما بالنتائج، والنتائج تقول إن ما شاهدناه لم يكن بعيدًا عن المستوى الحقيقي لكرة القدم السعودية، باستثناء محطات قليلة أثبت فيها اللاعب السعودي أنه قادر على منافسة أفضل منتخبات العالم، كما حدث في الانتصار التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر. غير أن هذه الاستثناءات تثير سؤالًا بالغ الأهمية: كيف يستطيع المنتخب أن يقدم مباراة استثنائية أمام بطل العالم، ثم يعجز بعد فترة قصيرة عن المحافظة على المستوى نفسه؟ وهل كانت تلك المباريات مجرد لحظات عاطفية عابرة، أم أنها كشفت عن طاقات كامنة نفتقد القدرة على استحضارها بصورة مستمرة؟
هذا السؤال، في تقديري، أهم بكثير من سؤال: من المسؤول عن الخسارة؟
لقد اعتدنا، بعد كل إخفاق، أن نبدأ رحلة البحث عن المتهم. فنغيّر اللاعبين، ونستبدل المدربين، ونعيد تشكيل الأجهزة الإدارية، وننتقد اتحاد الكرة، ثم ننتظر النتائج، لنكتشف بعد سنوات أننا نكرر المشهد ذاته، الأشخاص يتغيرون، لكن النتائج تكاد تبقى كما هي.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل المشكلة فعلًا في الأشخاص، أم في المنظومة التي تُنتجهم؟
أعتقد أن الخلل لا يبدأ داخل الملعب، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، في طريقة إعداد اللاعب، وفي البيئة التي تصنع شخصيته الرياضية، وتبني ثقته بنفسه، وتغرس فيه القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وتحول المهارة إلى أداء ثابت لا يتأثر بظروف المباراة أو قوة المنافس.
لقد أولينا اهتمامًا كبيرًا بالإعداد البدني والمهاري، وهو أمر لا غنى عنه، لكننا لم نمنح البناء النفسي والفكري للاعب المكانة التي يستحقها، فاللاعب ليس عضلات تتحرك داخل المستطيل الأخضر، وإنما عقل يقرر، ونفس تستجيب للضغوط، وشخصية تتشكل منذ سنواتها الأولى في النادي.
ومن هنا فإن تطوير كرة القدم السعودية ينبغي أن ينطلق من مشروع متكامل لصناعة اللاعب، لا من الاكتفاء بتغيير الأسماء بعد كل بطولة.
ويبدأ هذا المشروع باكتشاف المواهب -من قبل النادي- عبر لجان احترافية تضم لاعبين سابقين يمتلكون الخبرة في قراءة الإمكانات الحقيقية، ثم توفير برامج إعداد طويلة المدى تجمع بين التدريب الفني والتأهيل الذهني والنفسي، بحيث يتعلم اللاعب كيف يفكر داخل الملعب بالقدر نفسه الذي يتعلم فيه كيف يمرر الكرة أو يسددها.كما ينبغي أن يصبح الانضباط اليومي جزءًا من عملية البناء، من خلال متابعة التغذية والنوم واللياقة والعادات الشخصية، لأن اللاعب المحترف لا يتطور خلال ساعتين من التدريب اليومي فقط، بل خلال أسلوب حياته بأكمله.
ولا يقل عن ذلك أهمية توفير بيئة إعلامية وجماهيرية أكثر عدلًا واتزانًا، تحمي اللاعب من التعصب والإساءة، وتفصل بين الانتماء للنادي والانتماء للمنتخب، فاللاعب الذي يرتدي شعار الوطن يجب أن يشعر بأنه يمثل الجميع، لا أن يدخل المباراة وهو يحمل في ذهنه حسابات الانقسام الرياضي.
وفي المقابل، فإن حماية العدالة داخل المنافسات المحلية تتطلب مراجعة منظومة التحكيم، وتطوير آليات تقييم الحكام ومحاسبتهم، بما يعزز ثقة الأندية واللاعبين والجماهير في نزاهة المنافسة، لأن العدالة عنصر أساسي في صناعة بيئة رياضية صحية.
أما اختيار لاعبي المنتخب، فمن الأفضل أن يبقى من صلاحيات المدرب، مع وجود لجنة فنية مستقلة من اللاعبين الدوليين السابقين تتولى مراجعة الاختيارات وتقييمها، وتقديم الرأي الفني دون أن تنتزع القرار من المدرب، مع إعداد تقارير دورية عن مستوى المنتخب وخطة العمل المستقبلية.
كما أن الاحتكاك المستمر بالمدارس الكروية الكبرى يجب أن يتحول إلى سياسة ثابتة، لا إلى برامج موسمية مرتبطة ببطولة معينة، فاللاعب لا يكتسب الشخصية التنافسية إلا عندما يواجه المنافسين الأقوياء بصورة متكررة.
ولا شك أن تنفيذ مشروع بهذه الشمولية يحتاج إلى موارد مالية وإدارية، وإلى وقت وصبر ومتابعة دقيقة، لكنه استثمار في المستقبل أكثر منه إنفاقًا على الحاضر، فالهدف ليس الفوز ببطولة واحدة، وإنما بناء جيل يستطيع المنافسة بصورة مستقرة، ويجعل الإنجاز نتيجة طبيعية، لا مفاجأة عابرة.
لقد عشنا خيبات كثيرة خلال العقود الماضية، وفي كل مرة كنا نغير الأشخاص ونحتفظ بالطريقة نفسها، وربما آن الأوان لأن نعترف بأن الأزمة ليست أزمة لاعب أو مدرب أو إدارة، بل أزمة فلسفة في صناعة اللاعب.
إن المملكة حققت خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية في الاقتصاد، والإدارة، والبنية التحتية، والتنمية، وأصبحت نموذجًا في كثير من المجالات، وليس من المنطقي أن تبقى كرة القدم أقل من مستوى هذا التحول الكبير. وقد تكون البداية الحقيقية ليست في البحث عن نجم جديد، بل في إعادة تعريف معنى صناعة اللاعب، بحيث يصبح بناء الهمّة، وتعزيز الشخصية، وتنمية العقل الرياضي، جزءًا أصيلًا من صناعة المهارة الفنية، فالمهارة قد تصنع لاعبًا مميزًا، لكن الهمّة هي التي تصنع منتخبًا قادرًا على الاستمرار.

