لم تعد كرة القدم التي تعشقها المليارات من البشر على امتداد القارات وتنوع الثقافات، مجرد قطعة جلدية مستديرة، يتقاذفها اللاعبون لتسجيل الأهداف والفوز بالمباريات والحصول على البطولات، وسط هتاف وتصفيق الجماهير العاشقة لهذه الساحرة المجنونة كما يُطلق عليها، كرة القدم لم تعد فقط تلك اللعبة الشعبية التي يعشقها الفقراء في كل العالم، ولم تعد ذلك الشغف المجنون الذي يمارسه الصغار والكبار فقط، كرة القدم هي كل ذلك وأكثر، ولكنها ومنذ سنوات تحولت إلى منظومة صناعية متكاملة لها أدواتها ومقوماتها وتأثيراتها.
كرة القدم اليوم، بل ومنذ عدة عقود، ثقافة وطنية وحضارية وعالمية، وثقافة واسعة ومتنوعة ومؤثرة، لها تموجاتها الصحية والإنسانية والاقتصادية والتي جعلتها تتصدر اهتمامات المجتمعات والشعوب والأمم، كرة القدم من القوى الناعمة الكبرى الآن، بل وواحدة من أهم الأنشطة الاقتصادية التي تُسهم في تنمية ونهضة وتطور العالم.
والكتابة عن كرة القدم باعتبارها اللعبة الشعبية المفضلة الأولى لأغلب شعوب العالم، تحتاج لمقاربة الكثير من الملفات والمستويات، لأنها تجاوزت في أرقامها وإحصاءاتها الفلكية كل التوقعات والاحتمالات، فهذه الساحرة المستديرة تُسهم في بناء جسم الإنسان وتُساعد على تشكيله بشكل سليم وصحي، ولها تأثيرات إيجابية على زيادة معدلات الإنتاج والكفاءة، إضافة إلى القيمة والمكانة والشهرة التي تمنحها للدول والشعوب، وكذلك التعريف بتاريخ وحضارة وسياحة البلدان. كرة القدم تُسهم في كل ذلك وأكثر، ولكن مساهمتها الأهم والأعظم تكون عادة في الجوانب الاقتصادية، إذ تعد كرة القدم الآن ذلك الكنز الثمين الذي تتقاسمه الدول المتقدمة في هذه اللعبة الجذابة التي تعشقها المليارات بجنون.
الأرقام والإحصاءات الفلكية التي يتم تداولها وصرفها في مسابقات ومنافسات كرة القدم، سواء على صعيد الدوريات العالمية الكبرى أو البطولات القارية والعالمية، صادمة ومغرية، وتشمل الكثير من الأنشطة والمنتجات: القيمة السوقية للأندية واللاعبين، وحقوق بث المباريات والبطولات، وصفقات المعلنين، وتذاكر المدرجات، وعوائد الاشتراكات التلفزيونية ونقل المباريات، وبيع القمصان، والكثير الكثير من الأنشطة والخدمات المساندة كالفنادق والمواصلات والمطاعم والصحف والمجلات والقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الأنشطة والخدمات.
لم أكن أظن أن ما سبق سيتجاوز كونه مجرد مقدمة ضرورية تقفز بي للكتابة عن مكانة وتأثير كرة القدم في المجتمع السعودي والذي يعد من المجتمعات الشابة حيث تزيد نسبة الأجيال الصغيرة والشابة على 70 ٪ وهي في أغلبيتها الساحقة عاشقة، بل تكاد تكون مهووسة بهذه الساحرة المستديرة.. المقال القادم، سأحاول قدر الإمكان الاقتراب قليلاً من هذه العلاقة المثيرة بين كرة القدم والمجتمع السعودي.

