: آخر تحديث

في الخلاصات السياسية... حربٌ كأنها لم تكن!

2
2
2

انطلقت الشرارات الأولى لحرب الشرق الأوسط -التي لم تضع أوزارها بعد- من غزة، عبر عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والردّ الإسرائيلي عليها.

وعلى مدىً زمنيٍ يقترب من ثلاث سنوات، تواصلت هذه الحرب، واتسعت مساحاتها، إلى أن بلغت الذروة بحربين كبيرتين شنّتهما أميركا وإسرائيل على إيران، وأصابت ألسنة نيرانها دول الجوار الخليجية.

هذه الحرب اقتربت كثيراً من أن تكون إقليمية، وذلك بفعل تعدد ساحاتها، من غزة إلى باب المندب، واشتعال نيرانها على ثلاث جبهات مواجهة تقليدية في فلسطين، ولبنان، وسوريا، وبفعل تطوراتها منذ بداياتها حتى أيامنا هذه عانى العالم ما عانى من عصفها، إذ لم تنجُ دولةٌ كبرت أم صغرت من تأثيرها المباشر على اقتصادها، على نحوٍ لا مغالاة في القول إن كل فردٍ من سكان المعمورة دفع ثمناً لها.

في بداياتها ازدهرت قرائح محللين يوصفون بالاستراتيجيين في استنتاجاتٍ حول أهداف الحرب، وخلاصاتها المحتملة، وذهب البعض إلى حدّ التأكيد بحتمية حدوث متغيّراتٍ غير مسبوقةٍ في المنطقة، كاختفاء كيانات، وتقسيم كيانات، وظهور كياناتٍ جديدة بدلاً عن الذي اختفى، أو تقسّم.

حدث في سياق هذه الحرب أن دُمّرت غزة بصورةٍ تكاد تكون كاملة، وانتعشت فكرة بل مشروع تهجير أهلها البالغ عددهم مليونين ونصف المليون نسمة، وتحويل أنقاضها إلى مكانٍ استثماريٍ نموذجي، تُبنى عليه ريفييرا الشرق الأوسط.

وجرّاء ما حدث على جغرافيات المنطقة، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترديد نغمة إسرائيل الكبرى التي لا تفارق أحلامه كما قال، ومن الأحلام إلى الواقع تحدّث عن أن إسرائيل لم تعد دولةً صغيرةً في محيطٍ واسع، بل أضحت دولةً كونيةً غيّرت الشرق الأوسط، وحوّلت إسرائيل إلى دولةٍ كونيةٍ لها دورٌ رياديٌ في قيادة العالم، وخشية استفزاز نرجسية ترمب، كان يقول -وإن بصوتٍ منخفض- وذلك بالمشاركة مع أميركا!

ومع إقرارٍ موضوعي بأنها كانت أطول حربٍ تقع على ساحة الشرق الأوسط، والأكثر تدميراً، وإراقة للدماء، والأكثر تهديداً للاستقرار الإقليمي، والدولي، والأكثر إضراراً باقتصادات الدول، والمجتمعات، والأفراد، إلا أن خلاصاتها الراهنة خالفت الاستنتاجات المغالية في اختفاء كيانات، أو تقسيمها، أو نشوء كياناتٍ جديدةٍ على أنقاض ما أنتجته الحرب، ولنقرأ الصورة من أحدث تطوراتها، وأهمها بالطبع فتح المسار السياسي التفاوضي بين أميركا وإيران.

الحربان الكبيرتان -أي حرب الاثني عشر يوماً، والأربعين يوماً التي تلتها- لم تُسفرا عن تغييراتٍ على أي مستوىً في الخرائط الإقليمية، وتغيير النظم، والكيانات، ظلّ هرمز على حاله، وظلّت إيران على حالها، وعادت أميركا إلى المفاضلة بين ما يمكن أن تحقق عبر الحرب، والمفاوضات، وبين ما حققه أوباما قبل سنوات، مع فارقٍ جوهريٍ... هو أن ما حققه أوباما لم يستدعِ حرباً مهولةً كتلك التي حدثت في عهد ترمب-نتنياهو، وإذا كان من نتيجةٍ لافتةٍ على صعيد تغير السياسات، والاصطفافات، فقد تمّ طرد نتنياهو من الملف الإيراني، ليعود إلى البدايات القديمة، حيث الملفات القديمة على حالها.

أميركا -مثلاً سواء كانت ظالمة أو مظلومة، هازمةً أم مهزومةً في موقعة أو موقعات عدة- تظل أميركا العظمى صاحبة القدرات الجاهزة، والمتوفرة دائماً للتعويض عن الخسارات، وهذا أمرٌ يختلف كثيراً عن حال شريكتها الوحيدة في لعبة الحربين إسرائيل، فما هو المتغير الأساسي الذي حققته الدولة العبرية من حربها على الجبهات الثماني؟ غزة -وهي الجبهة الأصغر، والأقل تجهيزاً عسكرياً وحتى لوجستياً- لا تزال إسرائيل غير قادرةٍ على حسم الأمر فيها وفق أجندة نتنياهو المعلنة، وعنوانها النصر المطلق، أي تحويل غزة إلى منطقةٍ أمنيةٍ خاليةٍ مائة في المائة من أي تهديدٍ -ومن أي نوع- لمستوطنات الغلاف، وبشأن غزة، ومن دون تجاهل الكارثة التي أحدثتها حرب الإبادة عليها، إلا أن المطلق لم يتحقق، واحتمالات تسويةٍ لا تزال ممكنة، ومن دون نجاح فكرة ومشروع التهجير فلن تكون أي تسويةٍ نصراً مطلقاً ولا حتى نسبياً لإسرائيل.

ومن غزة إلى جنوب لبنان، حيث الحرب الصعبة التي تخوضها إسرائيل الآن على أرضه، فما الذي تغير في الواقع عن حالة الجنوب اللبناني مع إسرائيل، منذ وجد أول مقاتلٍ فلسطينيٍ على أرضه، وبعده وجد أول تشكيلٍ لبناني حلّ محل الفلسطينيين الذين غادروا؟

إسرائيل تُظهر سعادةً باتفاق الخطوة الأولى مع الدولة اللبنانية الذي يتيح لها بقاءً في نقاطٍ عديدةٍ على أرض الجنوب، ولكن ليس دائماً، بينما مستوطنو الشمال يواصلون الصراخ، ويعلنون على لسان قادتهم الشعبيين أن ما حدث كان حدث مثله من قبل، ولمراتٍ عدة، من دون أن يوفر الأمن والحياة المستقرة لسكان غلاف الجليل الذي يشبه غلاف غزة.

الخلاصات السياسية هي الأساس، والخسائر تؤلم، ولكنها لا تقرر النهايات، وهنا يُقال -وبصورةٍ موضوعية- إن الخرائط الإقليمية ظلّت على حالها، وإيران ظلّت هي إيران التي لم يتغير فيها شيء، حيث الخسائر الفادحة تعتبرها دليلاً على قوة العناد، والثبات عليه مهما كانت الخسائر اللاحقة، وجبهات سوريا ولبنان وفلسطين على حالها، وعلى نحوٍ يمكن القول فيه: كأنها حربٌ لم تكن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد