: آخر تحديث

دين الصين

3
3
3

منذ نصف قرن، وأنا أقرأ وأسمع عن مؤتمرات تعقد وتنفض، تتعلق بحوار الأديان أو المذاهب. ومع كل ما كان يصرف على تلك المناسبات، فإن جبلها الضخم لم يتمخض يوماً عن شيء. فالذي يقود حركة دينية ويروّج لها، ويعتاش منها، ولأي دين انتمى، يعلم أن مكانته واحترام مجتمعه له يتعلقان بوضعه الوظيفي، وإن التنازل عنه يعني خسارة المورد والاحترام، كما أن الإقرار بوجود شيء اسمه تقارب الأديان يعني ضمناً أن ما كانوا يؤمنون به، لألف أو ألفي عام، لم يكن صحيحاً في جانب منه، وهذا ما لا يمكن تصوره، فالتقارب ضمناً يعني خراب البيت بيد صاحبه، ولقاءات هؤلاء لا تختلف مثلاً عن لقاء مسؤولي شركتي بيبسي كولا وكوكا كولا، للاتفاق على الاندماج، أو خروج إحداهما من السوق لمصلحة الأخرى، مع علمهما بأن لكل شراب معجبيه، أو حتى تناسي المنافسة بينهما، علماً بأن السوق بإمكانه تحمّل الصنفين دون جهد، فلِمَ التسبّب في خسارة مساهمي إحدى الشركتين ومئات آلاف موظفيها ووكلائها وموزعيها، في مئات المدن، لمليارات الدولارات دون سبب مقنع.

يبدو أن من يدعون إلى عقد مثل هذه المؤتمرات، إما انهم مستفيدون من إقامتها، أو غير مدركين أن الطبيعة البشرية لم تتفق يوماً، ولن تتفق على دين واحد، مثلما هم غير متفقين على ألوان مركباتهم أو تشكيلة طعامهم وتصاميم ملابسهم، كما أن تجارب التاريخ أثبتت، للمرة الألف، أن الأديان باقية مهما حاول أعداؤها اقتلاعها، حتى غير التبشيرية منها، أو المتناهية في الصغر، وبالرغم من ذلك بقيت ديانات، مثل المندائية والصابئة، لآلاف السنين، وستبقى طويلاً، كما لم يحدث في التاريخ أن أقدم شعب طوعاً على التنازل بكامل عدده عن عقيدته لأتباع عقيدة معادية أو مخالفة. وقد أدركت بعض الجهات، ربما مؤخراً، ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنساناً، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما تحترم الأغلبية الأقلية، وإنهم بشر يشاركونهم في الإنسانية، بالمعنى الذي تأسست عليه حقوقه الطبيعية والمدنية. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحياناً على شعورٍ مستترٍ بالتفوق.

* * *

شهدت الصين صراعات ذات طابع ديني، لكن عدد الحروب التي صُنفت أساساً بـ«الدينية» كانت أقل بكثير مما وقع في بقية دول العالم، بالرغم من تاريخ وحجم الصين الجغرافي والسكاني الهائل، والسبب لأن الدين في التاريخ الصيني، وإلى حد كبير في اليابان، كان مرتبطاً عادةً بالدولة والأخلاق والنظام الاجتماعي، وليس بالتنافس، وكان الصراع السياسي يدور في الغالب حول السلالة الحاكمة والشرعية والأرض والضرائب، أو الحكم العرقي، أكثر منه صراعاً حول من يمتلك التصور الديني الصحيح. فقد فضّل الحكام الصينيون عموماً التعددية الدينية تحت سيطرة الدولة، لذا شكلت الكونفوشيوسية نظام الحكم، وسمح للبوذية والطاوية، ولاحقاً للإسلام والمسيحية، بالوجود، طالما لم يشكّل أتباعها تحدياً لسلطة الإمبراطور أو الحكم.

ولم تكن الأديان الصينية حصرية في كثير من الأحيان، كما هو الحال في العديد من التقاليد التوحيدية، إذ كان بإمكان الناس ممارسة تقاليد عدة منتمية لأكثر من دين في آن واحد، مما قلل من فكرة وجود «دين واحد صحيح» بحاجة مستمرة للدفاع عنه والموت في سبيله، وبالتالي تعاملت الدولة مع الدين كمسألة تتعلق بالنظام العام، وليس كفكرة يتطلب الأمر فرضها على الجميع.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد