يبدو أن من يدعون إلى عقد مثل هذه المؤتمرات، إما انهم مستفيدون من إقامتها، أو غير مدركين أن الطبيعة البشرية لم تتفق يوماً، ولن تتفق على دين واحد، مثلما هم غير متفقين على ألوان مركباتهم أو تشكيلة طعامهم وتصاميم ملابسهم، كما أن تجارب التاريخ أثبتت، للمرة الألف، أن الأديان باقية مهما حاول أعداؤها اقتلاعها، حتى غير التبشيرية منها، أو المتناهية في الصغر، وبالرغم من ذلك بقيت ديانات، مثل المندائية والصابئة، لآلاف السنين، وستبقى طويلاً، كما لم يحدث في التاريخ أن أقدم شعب طوعاً على التنازل بكامل عدده عن عقيدته لأتباع عقيدة معادية أو مخالفة. وقد أدركت بعض الجهات، ربما مؤخراً، ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنساناً، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما تحترم الأغلبية الأقلية، وإنهم بشر يشاركونهم في الإنسانية، بالمعنى الذي تأسست عليه حقوقه الطبيعية والمدنية. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحياناً على شعورٍ مستترٍ بالتفوق.
* * *
شهدت الصين صراعات ذات طابع ديني، لكن عدد الحروب التي صُنفت أساساً بـ«الدينية» كانت أقل بكثير مما وقع في بقية دول العالم، بالرغم من تاريخ وحجم الصين الجغرافي والسكاني الهائل، والسبب لأن الدين في التاريخ الصيني، وإلى حد كبير في اليابان، كان مرتبطاً عادةً بالدولة والأخلاق والنظام الاجتماعي، وليس بالتنافس، وكان الصراع السياسي يدور في الغالب حول السلالة الحاكمة والشرعية والأرض والضرائب، أو الحكم العرقي، أكثر منه صراعاً حول من يمتلك التصور الديني الصحيح. فقد فضّل الحكام الصينيون عموماً التعددية الدينية تحت سيطرة الدولة، لذا شكلت الكونفوشيوسية نظام الحكم، وسمح للبوذية والطاوية، ولاحقاً للإسلام والمسيحية، بالوجود، طالما لم يشكّل أتباعها تحدياً لسلطة الإمبراطور أو الحكم.
ولم تكن الأديان الصينية حصرية في كثير من الأحيان، كما هو الحال في العديد من التقاليد التوحيدية، إذ كان بإمكان الناس ممارسة تقاليد عدة منتمية لأكثر من دين في آن واحد، مما قلل من فكرة وجود «دين واحد صحيح» بحاجة مستمرة للدفاع عنه والموت في سبيله، وبالتالي تعاملت الدولة مع الدين كمسألة تتعلق بالنظام العام، وليس كفكرة يتطلب الأمر فرضها على الجميع.
أحمد الصراف

