: آخر تحديث

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

3
3
3

لا يزال العالم أسيراً لشغف متابعة بطولة «فيفا»؛ كأس العالم لكرة القدم، التي تستضيفها كلٌّ من المكسيك وكندا والولايات المتحدة الأميركية، مع تواصل دراما نتائج المباريات، وتألق النُّجوم المخضرمين، وصعود الدول الصغيرة، وخروج منتخبات عريقة من المنافسة... وصولاً إلى المباراة النهائية في مدينة نيويورك. والبطولة تقام لثاني مرة على الأراضي الأميركية، ومن الواضح خضوع المنظمين لمغريات السوق الأميركية، مما يفسر التعديلات التي حدثت للحد من إضاعة الوقت خلال المباريات، وابتكار فكرة الوقت المستقطع، حتى يُستفاد من ذلك بالإعلان التجاري على شاشات البث التلفزيوني. مع عدم إغفال الزيادة الكبيرة في عدد المنتخبات بهذه البطولة لتأمين متعة أعلى ومشاهدة أكبر.

وأهم علامات تأثير الولايات المتحدة على كأس العالم لكرة القدم وتأثرها تشمل الاستضافة، والقوة الاقتصادية والسوقية، والتأثير السياسي، وتطوير اللعبة داخل أميركا وخارجها.

استضافت الولايات المتحدة البطولة بمفردها عام 1994، وحقّقت أرقام حضور قياسية (أكثر من 3.5 مليون متفرج) استمرت 3 عقود. أسهمت تلك الاستضافة في إنشاء وتطوير الدوري الأميركي الرئيسي «إم إل إس (MLS)»، ونمت قاعدة الجماهير واللاعبين في أميركا.

وهذه المرة تستضيف الولايات المتحدة 78 مباراة، من أصل 104 بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هذا يجعلها أكبرَ بطولة في التاريخ (بمشاركة 48 منتخباً)، ويُتوقع أن تضيف مليارات الدولارات إلى الاقتصاد الأميركي (تقديرات «فيفا - FIFA» نحو 17 مليار دولار نمواً في الناتج المحلي).

والولايات المتحدة من كبرى أسواق البث التلفزيوني لكأس العالم (خلف الصين والبرازيل فقط). انخفضت المشاهدة بنسبة 37 في المائة عام 2018، عندما غابت الولايات المتحدة عن تلك النسخة؛ مما يظهر أهميتها لإيرادات «فيفا (FIFA)».

وتسهم الشركات الأميركية من رعاة، وقنوات بث، وتكنولوجيا، في تمويل «فيفا» واللعبة عالمياً. السوق الأميركية تدفع قيم اللاعبين والأندية، وتؤثر على نمط التسويق التجاري للبطولة.

استخدمت أميركا نفوذها (بما في ذلك تصريحات سياسية) للفوز باستضافة «2026». كما أنَّ هناك علاقات وثيقة بين قيادة الـ«فيفا» والإدارة الأميركية.

ولكن حتى مع استخدام الولايات المتحدة البطولة للدبلوماسية الرياضية بوصفها قوة ناعمة، فإنها تعرضت لانتقادات بشأن التأشيرات.

بطولة 1994 غيَّرت مسار كرة القدم الأميركية، مما أدى إلى نمو «إم إل إس (MLS)»: بناء ملاعب، وزيادة الاهتمام. عام 2026، يُعدّ «اختبار سوق» لترسيخ كرة القدم رياضةً رئيسيةً، لا تقل أهمية عن كرة السلة والبيسبول.

يؤثر النموذج الأميركي (الاحترافية، والتسويق، والاستثمار) على هيكل اللعبة، مثل زيادة قيم الصفقات وانتشار الدوريات، بالإضافة إلى أن المستثمر الأميركي بات لاعباً مؤثراً؛ فهم يملكون 50 في المائة من نوادي الدوري الإنجليزي الممتاز.

التأثير الأميركي غالباً ما يُرى إيجابياً اقتصادياً وتنموياً، لكنَّه يثير نقاشات بشأن التجارية الزائدة والتدخل السياسي في الـ«فيفا». مع 2026 الجارية، يُتوقع أن يُعزَّز هذا التأثير أكثر.

هذه العلامات الرئيسية تعكس تحول الولايات المتحدة من «دولة هامشية» في كرة القدم، إلى لاعب مركزي يشكل مستقبل البطولة.

من الواضح جداً أن هناك ضغوطات هائلة تمارَس من قبل الولايات المتحدة على «الاتحاد الدولي لكرة القدم» لجعل اللعبة أكبر قبولاً لمتطلبات السوق الأميركية، وهذا يواجَه برفض من أوروبا وأميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، إلا إن صوت المال يعلو، خصوصاً حينما تُعاير أميركا نظيراتها بالعجز عن نشر اللعبة في أكبر دولتين من ناحية عدد السكان؛ الهند والصين، وهو ما تقول أميركا إن نموذجها المقترح سيغيره. فهل «ستتأمرك» كرة القدم أم «ستتعولم» وتبقى ملكاً للجميع؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد