تشكل مجلس الأمة، منذ عام 1962، كجزء من عقد سياسي كويتي، يقوم على الشورى والمشاركة والتوازن بين الأسرة الحاكمة والمجتمع، وهو ما جعل الكويت تُوصَف مراراً بأنها حالة فريدة خليجياً وعربياً. لذلك لا تُقاس التجربة فقط بوجود برلمان، بل بقدرة هذا البرلمان على ممارسة الاستجواب وطرح الثقة وإثارة القضايا العامة، وبالتالي أفرزت الانتخابات كتلاً وشخصيات معارضة وإسلاميين وليبراليين ومستقلين، وسمحت بقدر من التداول الحقيقي داخل المجلس، وظهرت تلك الحيوية أيضاً في ارتفاع سقف النقاش السياسي. لكن التنافس لم يكن مفتوحاً بالكامل، والسلطة التشريعية لم تكن دائماً مستقرة أو محصّنة، كما أن كثيراً من التحليلات رأت أن التجربة كانت بالفعل بحاجة لمراجعة جذرية، وإعادة نظر، بعد كل ما نتج عنها من تشوهات وسلبيات، وصراع اجتماعي وسياسي خرج مرات عدة عن المألوف، وساد الفساد، وتبيّن بوضوح فشل التجربة، بعد أن تحوّل التنافس البرلماني، وشراء الذمم، ومحاولات الإثراء المادي من التجربة، إلى عامل تأثير سلبي على المجتمع برمته، وخلق شروخاً خطيرة، وأصبح من الضروري التدخل ووضع حد لاستمرارية النهج، وعودة الحزم والانضباط للمجتمع، بعد أن أصبح الوضع فيه غير مريح لأي صاحب ضمير، ومن هنا جاء قرار تعطيل بعض مواد الدستور، لأخذ النفس وإحداث التغييرات السياسية والاجتماعية والسياسية المطلوبة.
* * *
الديموقراطية تعني تبادل الحكم، كما هو الحال في الجمهوريات الغربية وغيرها. وهناك ديموقراطيات غير كاملة، لكنها تعتبر دولاً منتجة ومستقرة، وتسود فيها عدالة اجتماعية تفوق، في بعض جوانبها، تلك الموجودة في الديموقراطيات الغربية. وهذا يدفعنا للتساؤل: أليس من الأفضل لنا، في المرحلة الحالية، أن تكون لنا صحافة حرة ذات سقف عال وحرية مسؤولة وحقيقية في التحرك، بدلاً من برلمان نصف أعرج، لا يحق له المحاسبة أو المساءلة بطريقة كاملة؟
نقول ذلك، مع الإيمان التام بأنه لا يمكن اعتبار الصحافة الحرة وحدها بديلاً كاملاً عن البرلمان، لأن الديموقراطية تُفهم عادةً بوصفها سيادة شعبية وانتخاباً وفصلاً للسلطات، وآليات محاسبة علنية ومؤسسية. لكن وجود صحافة حرة، خاصة في المراحل الانتقالية، أمر مهم، ويشكل أداة رقابة جيدة، ويمكن للحكومة الاستفادة منها في معرفة رأي النخب والشارع في أدائها، والوقوف على مواطن الخلل والعجز ومعالجتها.
فدور الصحافة رقابي، وثقافي وتعليمي وسياسي، وعامل خطير في كشف أوجه الفساد، ومنع الانحراف، وعين على الأداء الحكومي، بعد كل الصلاحيات الواسعة والمطلقة، التي أصبح يتمتع بها مجلس الوزراء، إلى حين انتهاء المرحلة الانتقالية الحالية، مع ضرورة إخضاعها لقانون مطبوعات مرن، يمنعها من توجيه الاتهامات أو الإساءة المتعمدة للغير دون دليل.
أحمد الصراف

