عزيزي القارئ، تخيّل ما سأرويه لك، وأي تطابق بينه وبين الواقع فهو مسؤولية الواقع وحده، فأنا لا أتحمّل أخطاءه.
البارحة تحدث معي صديق من اليمن عبر اتصال هاتفي، بحكم أنني أعيش خارج اليمن بينما هو يعيش داخله، أو يحاول. قال لي في سياق المكالمة إنه تذكّر فجأة أننا في آخر الشهر، فذهب إلى البنك ليطمئن على الراتب. استقبله الموظف بابتسامته الشهرية المعهودة، وقال له بحنان رسمي: لا تقلق، الراتب في صحة ممتازة، لكنه كعادته غير موجود. سأله عن المتأخرات، فطمأنه بأنها بخير جدًا، لكنها غير موجودة أيضًا. خرج صديقي من البنك مطمئنًا على أشياء غائبة أكثر من حضورها.
عاد إلى منزله، فأخبرته زوجته أن المؤجر مرّ يسأل عنه. سأل ابنه الصغير: لماذا يسأل عنا؟ قالت له أمه: يطمئن فقط. فأجاب الطفل ببراءة لا تعرف الحسابات: أبي بخير، لكنه غير موجود. بدا لي أن الغياب في مدينتهم ليس حالة طارئة، بل نظامًا غير معلن يتقنه الجميع.
سألته عن الحديدة. قال إن المدينة بخير. البحر موجود، الهواء موجود، الميناء موجود، وحتى الأمان بخير، لكنه غير موجود. ثم صمت قليلًا وأخبرني أننا فقدنا صديقًا مشتركًا في الساحل. لم يمت برصاصة عابرة، بل بلغمٍ صبر تحت الأرض أكثر مما صبر ضحاياه فوقها. أخوه نجا، ونُقل إلى مستشفى في حجة لا يزال يعمل بدعم سعودي، فيما يواصل مشروع نزع الألغام مسام إزالة ما تبقى من ألغام صبرت أكثر من أصحابها. قالها بهدوء: الحمد لله، على الأقل هناك من ينزع ما زرعه الأشرار، ومن يعالج من وصل.
تحدثنا عن رمضان. قال إنه سيدخل هذا العام متزامنًا مع صيف ساخن، والكهرباء التجارية أيضًا بخير جدًا، لكنها غير موجودة، إلا عند التجار. قالها بابتسامة المؤمن الصابر، ذلك الذي يتقاضى الصبر عبر الخطابات اليومية ونشرات الأخبار، وتتابعه مناديب الطمأنينة ليتأكدوا أنه تناول جرعته الكاملة من الصبر. في مدينتنا ومديرياتها، لا يُسأل المواطن عن راتبه، بل عن صبره. السؤال هناك ليس: هل قبضت اليوم؟ بل: هل صبرت من أجل الوطن اليوم؟ الراتب غائب، لكن الصبر حاضر في كل نشرة، كحضور المجهود الحربي حتى دون حرب.
تبادلت مع صديقي التهاني بقدوم الشهر الكريم. سألته مازحًا: هل ستصوم؟ ضحك وقال: الحمد لله نصوم طول العام، ونفطر مما يرسله لنا أخي المغترب في السعودية. فهمت من ضحكته ما لا يُقال في البيانات.
وقبل أن ننهي المكالمة أخبرته أنني هذه الأيام أمارس رياضة الجري خلف أطفالي. قال لي بحماس: وأنا أيضًا أمارس الجري. سألته: تجري خلف الأطفال؟ فقال: لا، عندي دين للبقال وأمارس الجري هربًا منه.
في مدينتنا الراتب بخير، لكنه غير موجود، الكهرباء بخير، لكنها غير موجودة، الأمان بخير، لكنه غير موجود. وحده البقال موجود جدًا، ونحن نجري.
وسرعان ما صحوت من نومي على ضجيج أطفالي وهم يركضون في البيت. حاولت أن أبحث عن رقم صديقي لأطمئن عليه، فاكتشفت أن رقمه هو الآخر بخير، لكنه غير موجود في هاتفي.

