: آخر تحديث

الاختراق الوظيفي!

4
5
4

كلنا سمعنا عما يسمى بالاحتراق الوظيفي (Burnout) وخاصة في بيئات العمل، وهو بإيجاز مصطلح سكّه عالم النفس الألماني هربرت فرويدنبرغر في 1974 ووصفه بأنه حالة تتميز بالإرهاق الجسدي والعاطفي نتيجة الضغوط المستمرة في مكان العمل وتشمل الشعور بالفشل وتدهور الأداء المهني والشخصي. وفي 1980 قامتا كل من الأكاديميتين كريستينا ماسلاش وسوزان جاكسون بتطوير أدوات قياس لتقييم مستويات الاحتراق الوظيفي ومن تلك الأدوات (Maslach Burnout Inventory)، وفي 1981 أجرت ماسلاش دراسة عن الاحتراق الوظيفي ووصفته بأنه مجموعة من أعراض الإجهاد النفسي، وتشمل الإرهاق العاطفي، والتبلد الشخصي، والإحساس بعدم الرضا عن المنجز الشخصي والأداء المهني. كما عرفته الباحثة في مجال الاحتراق الوظيفي بينس بأنه حالة من الإرهاق الجسدي والعاطفي والعقلي التي تحدث نتيجة الانخراط طويل الأمد في مواقف تتطلب جهداً عاطفياً كبيراً.

هناك العديد من الدراسات والأوراق والطروحات التي تناولت هذا المفهوم في الأوساط الأكاديمية والطبية والمهنية، وهو اليوم يلقى رواجاً أكثر من أي وقتٍ مضى، ويتحدث الكثيرون من الناس على اختلاف مستويات تعليمهم وثقافتهم عنه وكأنه مرض أو عرض مُسلَّم بوجوده إلى درجة أنك يمكن أن تصادف موظفاً يشخص حالة أحد زملائه بأن لديه احتراق وظيفي!

دفعني ذلك وأسباب أخرى إلى القراءة المكثفة عن الاحتراق الوظيفي حتى كدت أن أُصاب بالاحتراق القِرائي، وتفاجأت بأن هناك من ينزع عنه صفة المرض وحتى العرض، وما كان تفاجئي إلا بسبب تناول هذا المفهوم على سبيل التسليم حتى من قبل جهات رسمية! 

فقد وجدت العديد من الدراسات التي تنفي أن الاحتراق الوظيفي يمثل مرضاً أو اضطراباً مستقلاً، ومن تلك الدراسات تلك التي أجراها الباحثان Bianchi وSchonfeld والتي خلصا فيها إلى أن الأدلة العلمية الحالية لا تدعم اعتبار الاحتراق الوظيفي متلازمة مستقلة وأن خصائصه الموصوفة تتداخل بدرجة كبيرة مع الاكتئاب، هذا بالإضافة إلى الدراسات والطروحات العلمية التي تأخذ على هذا المفهوم غياب التعريف الموحد له، والتداخل مع أمراض وأعراض أخرى، وضعف الأساس النظري عند نشوء المفهوم باعتباره نشأ من ملاحظات سريرية ووصفية أكثر من اعتماده على نظرية علمية، وربما ذلك ما دفع منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى استبعاد مفهوم الاحتراق الوظيفي من التصنيف الدولي للأمراض (ICD – 11) وتعتبره ظاهرة مهنية (Occupational phenomenon).

لست أنكر أن الموظف/ـة قد يصاب بالإجهاد والإرهاق والإحباط ومختلف الضغوط النفسية في بيئة العمل وقد تكون أسباباً ثانوية لأمراض عضوية ونفسية، ولكن لعلكم لاحظتم بأن مفهوم الاحتراق الوظيفي بصرف النظر عن موقفنا تجاهه؛ يُساء استخدامه اليوم، ومن ذلك أنه أصبح ذريعة للبعض يتذرعون بها عند إحجامهم عن الاضطلاع بمسؤولياتهم، وعذراً لدى آخرين يتعذرون به عند إخفاقهم في أداء الأعمال المنوطة بهم أو الانتقال إلى عمل آخر أو ترك العمل.

لذلك قررت أن أسك مصطلحاً جديداً، ولست بذلك مقتحماً مجالاً علمياً لا أنتمي إليه ولا متكلماً في غير فنّي، لأنني باختصار لم أخرج (بالمزاج) عن حدود (المجاز) ولم أتجاوز الموجود إلى المفقود، ألا وهو  (الاختراق الوظيفي) وأقصد به اختراق عقلية الموظف/ـة وبرمجتها بأفكار سلبية توقعه في دوامة الإحباط وتدفعه إلى الإحجام عن أداء أعماله التُلكأ في ذلك، والتفكير جدياً بتغيير بيئة عمله أو ترك العمل بحجة أنه قد احترق وظيفياً، في حين أن ما حصل له ليس إلا تحديات تحصل دائماً في بيئات العمل ويمكن معالجتها وتجاوزها، وهذا الاختراق قد يأتي من خارج بيئة العمل مثل مقاطع تدمير الذات التي تسمى بهتاناً تطوير الذات أو من داخل بيئة العمل من الموظفات والموظفين الذين ينشطون في نشر الرسائل السلبية أكثر من نشاطهم في أداء أعمالهم.

الخلاصة، ينبغي أن ندرك حق الإدراك بأن الضغوط ومختلف المشكلات التي تحدث في بيئات العمل طبيعية وليست حديثة وإن أُدرجت ضمن مصطلحات ومفاهيم حديثة كالاحتراق الوظيفي ونحوه، وأن نوازن بين حياتنا الشخصية (لجسدك حق عليك، لأهلك حق عليك...) وحياتنا العملية (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحد كم عملاً أن يتقنه) وأن نضع نصب أعيننا دائماً المقاصد والغايات السامية كحب الوطن وخدمته وتقديم العون للناس ونحو ذلك، وأن نتفاءل بالخير حتى في أسوأ الظروف.

وإذا كنت أيها الموظف/ـة ما تزال مقتنعاً بان الاحتراق الوظيفي متلازمة موجودة وينبغي معالجتها بالسبل الموصوفة في الدراسات التي تتبنى هذا المفهوم، فلا ضير، احترق كما تشاء ولكن كن " كعودٍ زاده الإحراق طيباً"!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.