: آخر تحديث

الذكاء الاصطناعي في بؤر الصراع: محرّك للسلام أم مُسرّع للحروب؟

4
3
4

يغيّر الذكاء الاصطناعي بسرعة ملامح الاقتصاد والعلم والمجتمع، لكن تأثيره في العلاقات الدولية والنزاعات الإقليمية قد يكون عميقًا بالقدر نفسه. وفي الشرق الأوسط، وهي منطقة تتسم بالتوترات الأمنية والتنافسات الأيديولوجية والصراعات الجيوسياسية، قد تتحول هذه التكنولوجيا الجديدة إلى أداة لتعزيز الاستقرار من جهة، وإلى عامل يزيد من حدة الصراعات من جهة أخرى.

على الجانب الإيجابي، تشير دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية ومنظمات دولية، مثل مؤسسة RAND والأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى إمكانات كبيرة للذكاء الاصطناعي في تحسين عملية صنع القرار. فأنظمة التنبؤ المتقدمة قادرة على رصد المؤشرات المبكرة للتصعيد، وتحليل كميات هائلة من المعلومات الاستخباراتية، ومساعدة صناع القرار على منع الأزمات قبل اندلاعها. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل في إدارة أزمات اللاجئين، والتنبؤ بنقص المياه والغذاء، وتنسيق المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع.

وفي الشرق الأوسط تحديدًا، حيث يشكل شح المياه وتغير المناخ مصدرًا متزايدًا للتوتر بين الدول، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في إدارة الموارد المشتركة بصورة أكثر كفاءة، وأن يخفف من أسباب الاحتكاك. كذلك، قد تؤدي الشراكات التكنولوجية بين دول متنافسة إلى خلق مصالح اقتصادية مشتركة وتعزيز قنوات الحوار.

لكن هذه الفرص ترافقها مخاطر حقيقية. فقد حذرت تقارير صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) من سباق تسلح جديد قائم على الأنظمة المستقلة. فالطائرات المسيّرة الذكية، ومنظومات الهجوم الآلية، وأدوات الحرب السيبرانية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، قد تخفض عتبة اللجوء إلى القوة وتسرّع وتيرة التصعيد العسكري.

ويبرز خطر آخر في مجال المعلومات. فالتقنيات القادرة على إنتاج المحتوى، بما في ذلك مقاطع الفيديو المزيفة المعروفة باسم "ديب فيك" (Deepfake)، تتيح نشر المعلومات المضللة على نطاق غير مسبوق. وفي منطقة حساسة كالشرق الأوسط، قد يؤدي مقطع فيديو مزيف لزعيم سياسي أو ديني أو قائد عسكري إلى إشعال أزمة دبلوماسية أو حتى مواجهة عسكرية خلال ساعات قليلة.

كما يثير الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات الحساسة مخاوف إضافية، إذ قد تعكس هذه الأنظمة تحيزات موجودة في البيانات التي دُرِّبت عليها أو تخطئ في تفسير أوضاع معقدة. وعندما يتعلق الأمر بالقرارات الأمنية والعسكرية، فإن خطأً من هذا النوع قد تكون له عواقب خطيرة.

لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في النزاعات الدولية، بل كيف سيؤثر فيها. فإذا نجحت الدول في وضع آليات للرقابة والشفافية والتعاون الدولي، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للحد من مخاطر الحروب وتعزيز الاستقرار الإقليمي. أما إذا غابت القواعد الناظمة، فقد يصبح عاملًا مضاعفًا لعدم الاستقرار، والمعلومات المضللة، وسباقات التسلح الجديدة. وفي الشرق الأوسط، حيث التاريخ حافل بالأزمات والمفاجآت، قد يكون الاختيار بين هذين المسارين حاسمًا في رسم مستقبل المنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.