: آخر تحديث

الصحافي "السبّاك" والصحافي اللئيم

3
3
2

تتحرك المنظومة الإعلامية والصحافية المعاصرة وفق ديناميكيات مؤسساتية معقدة، غالبًا ما تنتج مفارقة واضحة بين "الصورة الذهنية" التي يحملها الجمهور عن الصحافي بوصفه ناقدًا وموجهًا للرأي، وبين "الواقع الوظيفي" داخل غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية.

دراسة المشهد الصحافي من الداخل تكشف عن تحولات جوهرية في آليات الصعود والنفوذ؛ حيث لم تعد الجدارة المهنية الصارمة أو العمق المعرفي هما المعيارين الوحيدين للتموضع داخل هذه الدوائر. ثمة أنماط سلوكية ووظيفية استطاعت أن تجد لنفسها مكانًا راسخًا في الفضاء الإعلامي، ليس من خلال أصالة الطرح الصحافي، وإنما عبر قدرة فائقة على التكيف مع متطلبات النفوذ وصناعة العلاقات العامة، وهو ما يمكن قراءته وتفكيكه عبر نمطين بارزين يتداخل فيهما المهني بالسيكولوجي.

يتمثل النمط الأول فيما يمكن تسميته اصطلاحًا بـ"الصحافي السبّاك"؛ وهي استعارة سيكو-مهنية تشير إلى تحويل العمل الصحافي إلى مجرد "حِرفة أداتية" جافة. في هذا السياق، لا يمتلك الفاعل الإعلامي مشروعًا تنويريًا أو رؤية نقدية خاصة، وإنما تنحصر وظيفته في إدارة التدفق اليومي للمواد، وقص البيانات وصياغتها وتوصيلها لتلبية حاجة المؤسسة دون مساءلة فكرية. هذا النمط يعكس حالة "السيولة" التي تشهدها الصحافة المعاصرة، حيث تتراجع المعايير المهنية الصارمة لحساب السرعة والامتثال الوظيفي. وحين يُختبر هذا النموذج في فضاءات حوارية مفتوحة أو سياقات تتطلب نضجًا إدراكيًا وسرعة بديهة، يظهر بوضوح الفارق بين "الأداء الوظيفي اللحظي" وبين "التأسيس المعرفي واللغوي الرصين"، لتنكشف فجوة حقيقية في مستوى الوعي والثقافة العامة الأساسية للمهنة.

على الضفة الأخرى، يتجلى النمط الثاني من خلال أبعاد سيكولوجية أكثر تعقيدًا، وهو ما يُعرف بـ"الصحافي اللئيم". هذا النموذج لا يعاني بالضرورة من ضعف الأدوات المهنية، فقد يمتلك دهاءً حركيًا أو فصاحة خطابية، لولا أن محركه الأساسي يستند إلى بنية نفسية تميل نحو "الانتهازية الوظيفية" والنرجسية التعويضية. تشير الدراسات النفسية للمؤسسات الإعلامية إلى أن بعض الأفراد، مدفوعين بالقلق المزمن من الانكشاف المهني أو عدم الجدارة، يطورون آليات دفاعية هجومية داخل بيئة العمل. يتجلى ذلك في النزوع نحو نسج العلاقات النفعية الضيقة، وممارسة الإقصاء غير المعلن للكفاءات الصحافية الحقيقية التي قد تشكل تهديدًا لشرعيتهم الوظيفية، والعيش في مساحات رمادية تعتمد النفاق المسلكي كأداة رئيسية للبقاء والترقي في السلم الوظيفي.

تحدث الأزمة البنيوية الأعمق في الفضاء الإعلامي عندما تتكامل الأداتية الجافة مع الانتهازية النفسية في نموذج واحد؛ فالأداء الوظيفي الذي يفتقر إلى العمق يجد في المكر السلوكي وسيلة لحماية مكتسباته. وبدلًا من تطوير الأدوات الفكرية والصحافية، تتوجه الطاقة بالكامل نحو هندسة المناخ العام للمؤسسة عبر تحالفات مصلحية متبادلة، تضمن استمرار الوجوه المزيفة في تصدر منصات الإعلام، وإعادة إنتاج نمط من الطرح السطحي الذي يتناسب مع طبيعة المادة الإعلامية التي يقدمونها.

الإشكالية الحقيقية في الفضاء الصحافي المعاصر لا تكمن في غياب المعلومة بحد ذاتها، وإنما في مأسسة الأنماط السطحية وتحويلها عبر التكيف السيكولوجي والوظيفي إلى سلطة تملك توجيه الذائقة وصناعة الرأي العام.

السؤال الفلسفي الذي يطرحه هذا المشهد يعود بنا إلى طبيعة الإعلام في العصر الرقمي؛ حيث تحولت المنابر الصحافية من منصات لإنتاج الأفكار ونقد الواقع إلى مساحات للاستعراض الأدائي الموجه. لقد أتقنت هذه النماذج سيكولوجية التكيف، وعرفت كيف تقدم للجمهور التبسيط الجاذب المغلف بعبارات رنانة. هذا التموضع الذكي جعل من القصور المعرفي والاضطراب السلوكي يبدوان للمراقب العابر وكأنهما "ذكاء اجتماعي" أو "كاريزما إعلامية".

التشريح العلمي الهادئ لهذه الشخصيات والأنماط داخل الأوساط الإعلامية والصحافية يمثل خطوة أساسية لفهم التحولات التي طرأت على صناعة الرأي. وإذا كان النمط "السبّاك" يساهم في خفض السقف المعرفي للمهنة، فإن النمط "اللئيم" يساهم في تراجع المعايير الأخلاقية والمهنية داخلها. لذلك، فإن فحص هذه الظواهر وتفكيك آلياتها النفسية والوظيفية يُعدّ قراءة نقدية حتمية تهدف إلى إعادة الاعتبار لجدارة الاستحقاق، واسترداد القيمة الحقيقية للكلمة والصحافة في بناء وعي المجتمعات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.