: آخر تحديث

وتر القصيدة!

2
1
1

حين قال ابن رشيق إن «الموسيقى حُلّة الشعر، فإن لم يلبسها طُويت»، لم يكن يصف زينة خارجية تُضاف إلى القصيدة، وإنما كان يتحدث عن جوهرٍ ظلّ العرب يعتقدون أنه جزء من روح الشعر نفسها، فالعلاقة بين الشعر والموسيقى لم تبدأ علاقة تجاور، وإنما علاقة ولادة، حتى كأن القصيدة العربية خرجت إلى الوجود وفي أذنها إيقاع، وفي قلبها نغمة، وفي ذاكرتها وقع خطوات القوافل وهي تعبر الصحراء، لهذا ظل الإيقاع أكثر العناصر صمودًا في تاريخ الشعر العربي، تغيّرت الأذواق، وتناوبت الفلسفات والعقائد على العقل العربي، لكن الموسيقى بقيت الحارس الأخير لبوابة الشعر، فمنذ أن وقف امرؤ القيس على أطلاله الأولى حتى منتصف القرن العشرين، بدا الوزن وكأنه القدر الذي لا يستطيع الشاعر الفكاك منه، أو إله الشعر الخفي الذي لا يُعبد صراحةً لكنه يحكم الجميع، ولعل من السهل أن نعزو انحسار الموسيقى في بعض تجارب الشعر الحديث إلى أثر الترجمة والانفتاح على الغرب، غير أن التاريخ لا يؤيد هذا التبسيط، فالعرب انفتحوا في العصر العباسي على أمم وثقافات ولغات وفلسفات لم يكن العالم قد عرف مثلها من قبل، ومع ذلك بقي بحر الخليل متماسكًا في وجدانهم، ما تغيّر في العصر الحديث لم يكن الثقافة وحدها، وإنما نظرتنا إلى الشعر ذاته؛ إذ بدأ السؤال يتحول من «كيف يُقال الشعر؟» إلى «لماذا يُقال؟»، ومن هنا بدأت الشاعرية تبحث عن خلاصها الخاص، أحيانًا خارج الوزن، وأحيانًا بعيدًا عن كل ما تراه زوائد تحجب المعنى عن جوهره...

لكن الحديث عن موسيقى الشعر يقودنا دائمًا إلى أخيه الأقرب «الغناء» فقبل أن يكون الشعر ديوان العرب، كان الصوت رفيق رحلتهم الأولى، وتروي الأخبار أن الحداء سبق الغناء، وأن أصله يعود إلى صرخة ألم أطلقها مضر بن نزار حين انكسرت يده في سفر بعيد، فجعل يردد أنينه بصوت حسن، فطابت الإبل لسماعه وتسارعت خطاها! وقد تبدو الحكاية أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ، لكنها تكشف حقيقة أعمق وهي أن الإنسان غنّى قبل أن ينظّر للغناء، وأن الموسيقى وُلدت من الحاجة قبل أن تصبح فنًا.

غير أن هذه الرواية تثير سؤالًا آخر، إذا كان الحداء أصل الغناء، فهل كان الشعر نفسه يومًا نوعًا من الأغنية؟ يبدو أن الإجابة تقترب من نعم إلى حد كبير، فالتاريخ أيضًا يخبرنا أن الشعر عاش طويلًا في حنجرة المغنين قبل أن يستقر في بطون الكتب، وكانت القيان تحفظ القصائد وتشيعها بين الناس، وتكشف أحيانًا عيوبها الخفية، ويُروى أن النابغة تنبّه إلى الإقواء في بعض شعره عندما سمعه مُغنّى، وكأنّ الغناء حينها كان ناقدًا فنيًا مبكِّرًا يختبر سلامة القصيدة بالصوت لا بالقراءة، ومن هنا يبرز سؤال آخر أكثر إثارة، «هل كان بعض الشعراء يكتبون للغناء قبل أن يُعرف شعراء الأغنية بمفهومهم الحديث؟»، لعلّ في سيرة عمر بن أبي ربيعة ما يومئ إلى ذلك بوضوح، فقد عاش في زمن ازدهرت فيه مجالس الطرب، وتقاطع شعره مع أصوات المغنين والجواري القيان حتى بدت قصائده وكأنها كُتبت لتُسمع أكثر مما كُتبت لتُقرأ، ففي شعره خفة النغمة، ودهشة الحكاية، ومكر التشويق، وكلها عناصر تجعل القصيدة أقرب إلى أغنية طويلة منها إلى نص يُنشَد في مجلس شعر..

وهكذا يبدو الشعر العربي، في بداياته البعيدة كما في تحولاته الحديثة، كائناً يسير في مسارين متلازمين؛ مسار المعنى ومسار الموسيقى، وكلما ابتعد عن أحدهما اشتاق إليه، ولذلك لم تكن معركة الشعر مع الإيقاع يومًا معركة قطيعة، بل كانت دائمًا حوارًا طويلاً بين الصوت والروح، بين ما يُقال وما يُغنّى، وبين القصيدة حين تكون فكرة، والقصيدة حين تصبح أغنية للحياة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد