: آخر تحديث

شعرة معاوية

1
1
1

ليلى أمين السيف

لا أظن أن هناك خلافا على أنه لا أحد يدخل علاقة طويلة ثم يخرج منها وهو الشخص نفسه حتى لو ظن ذلك. هذه حقيقة لا تحتاج إلى صخب كي تُفهم لكن إدراكها يحتاج إلى قدر من التأمل كي تتضح الرؤية، فالعلاقات الطويلة ليست مجرد صحبة أو مرافقة أو تقاسم يوميات بل هي مساحة تأثير متبادل يتسلل فيها كل طرف إلى الآخر ببطء حتى تتداخل الحدود بين ما هو أنا وما هو نحن. ومن هذا الفهم تتضح الفكرة أكثر فبعض البيئات لا تُحدث أثرها بشكل مباشر بل تُعيد صياغة إدراك الإنسان للحياة تدريجيا حتى دون أن ينتبه.

وقس على ذلك أن التحول أو التغيير لا يحدث هنا كقفزة مفاجئة بل كإزاحة بطيئة في معيار الإدراك نفسه حتى يصبح ما كان يزعجه بالأمس مألوفا اليوم، وما كان يرفضه سابقا يبدو عاديا أو قابلا للتبرير. ومع الوقت لا يتغير الفعل وحده بل تتغير الحساسية تجاه الفعل.

أعتقد أننا نُجمع على أنه في الزواج تحديدا يظهر هذا الأثر بأوضح صوره لأن الحياة المشتركة اليومية لا تترك مجالا كبيرا للمسافة النفسية، ومع مرور الوقت لا تتغير الطباع بشكل مفاجئ بل تتشكل تدريجيا عبر التكرار، تكرار المواقف وتكرار ردود الفعل وتكرار الضغوط الصغيرة التي لا تُرى في بدايتها.

وهكذا قد لا يصبح الإنسان نسخة من شريكه لكنه غالبا يكتسب شيئا من منطقه أو يتحسس منطقا جديدا للحياة لم يكن مألوفا لديه من قبل، فبعض الناس يصبحون أكثر حذراً لا لأنهم اختاروا ذلك بل لأن التجربة علمتهم أن الانفتاح الكامل مكلف، وآخرون يفقدون شيئاً من خفة الروح لا لأنهم فقدوا القدرة على الفرح بل لأن الفرح نفسه أصبح يحتاج إلى جهد أكبر من السابق في ظل شريك متجهم.

ثم يتجاوز الأمر حدود التجربة نفسها ليأخذ شكلاً أعمق وأكثر خفاء، ففي البيوت الطويلة العمر لا تكون التحولات نتيجة حدث واحد كبير بل نتيجة تفاصيل صغيرة متراكمة ككلمة لم تُفهم، موقف لم يُحتوَ،صمت طال أكثر مما ينبغي أو توقع لم يتحقق مرارا حتى استقر داخليا كقاعدة غير معلنة.

الأمر ذاته ينطبق على الصداقة وإن كان بصورة مختلفة، فالأصدقاء لا يغيروننا مباشرة بل يوسّعون أو يضيّقون المساحات داخلنا.

هناك من يفتح فيك أبوابا نحو التفاؤل وآخر يرسخ فيك أسئلة الشك وثالث يخفف من حدتك أو يضاعفها، ومع الزمن لا يعود الإنسان كما كان بل يصبح مزيجاً من هذه التأثيرات المتراكمة.

لكن الأخطر من ذلك كله هو غياب الوعي بهذا التأثير فنحن غالبا لا نلاحظ كيف تُعاد صياغتنا بشكل لايُحس أو يُدرك لأن التغير يحدث داخلنا لا أمامنا، لا نشعر به في لحظة محددة بل نكتشفه متأخرا حين نقارن بين من كنا ومن أصبحنا.

حيث قال لي «الصاحب ساحب» أتذكر ذات مرة أثناء نقاش مع والدي حول نظرية فكرة بدت لي وقتها قاسية في ظاهرها لكنها برغم حدّتها تلخّص المعنى بأبسط وأصدق صورة. قال لي:

«لا يوجد شيء اسمه رفقاء سوء أو فلان خربني لكنك ممكن تكوني منقادة ولقيتي من يسوقك»

ثم أشار إلى رأسي وقلبي في إشارة إلى ما أحمله من مبادئ وأفكار ومشاعر وكأنه يضعني أمام سؤال أعمق من اللوم أو التبرير ليس من يؤثر علينا فقط بل ما الذي نسمح له أن يقودنا من داخلنا.

وهنا يعود بنا الأمر إلى أصل الفكرة ألا وهي مسؤولية الإنسان عن اختياراته وعمن يسمح لهم بالاقتراب منه، وعن المسار الذي يسير فيه معهم. وشماعة تحميل كل شيء للظروف أو للآخرين لا يعفي الإنسان من مسؤوليته في حماية وعيه وحدوده الداخلية.

ومع ذلك ليست الفكرة دعوة إلى الشك الدائم أو الانسحاب من العلاقات بل دعوة إلى وعي أعمق بطبيعتها، فليست كل العلاقات تهديدا كما ليست كل القربات آمنة بشكل مطلق.

هناك علاقات تبني الإنسان بصمت كما توجد أخرى تستنزفه بصمت أيضا.

المسألة إذا ليست في الهروب من الناس بل في إدراك أثرهم علينا في أن نكون أكثر انتباها لما يدخل إلى عقولنا وقلوبنا عبر المعاشرة اليومية وأن نميز بين ما يضيف إلينا وما يذيب ملامحنا الأصلية.

فالإنسان في نهاية الأمر لا يُعرَف فقط بما يختار بل أيضا بمن سمح لهم أن يكونوا جزءا من اختياراته ومن شاركوه تشكيل وعيه ومزاجه ونظرته للعالم وحين يتكشف لنا هذا المعنى يتغير ميزان الأسئلة داخلنا.

فلا يعود «من يرافقني؟» .. سؤالا يستحق الصدارة بل يتقدم عليه سؤال أعمق وأشد صدقا «إلى أي نسخة من نفسي قادتني هذه القربى؟»

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد