نعيش اليوم على وقْع مفارقات غريبة وصادمة تقودنا إلى تفجير مجموعة من الأسئلة: إلى أي مدى العالم صادق في نضاله حول حقوق الإنسان؛ بدءاً من الحريات الأساسية العامة، وصولاً إلى حزمة الحريات الفردية التي تُخصَّص لها المؤتمرات والأموال ودعم الجمعيات، والحال أنه على الضفة الأخرى من هذا الخطاب الغارق في الحقوقية يعيش أطفال قطاع غزة إبادة ممنهجة وتتعرض النساء والفتيات في السودان إلى عنف جنسي وجرائم اغتصاب جماعي؟
هل يستقيم الحال في ظل حالة حقوقية متشظية ومصابة بالانفصام الحاد؟
طبعاً نحن لسنا ضد الدفاع عن الحريات العامة ولا الفردية منها ما دامت تبحث عن حرية الإنسان ورفاهيته وحقه في الاندماج من دون سحق وذوبان. غير أن مثل هذا الدفاع يشترط نظرياً على الأقل بيئة عالمية تناضل من أجل تكافؤ فرص كل الشعوب في التمتع بالحريات العامة والفردية وأن تحفظ هذه الحريات الحقوق في كل الظروف وأن تكون خطاً أحمر ينتفض من أجله كل العالم عندما تمتد أي يد لتجاوزه.
أيضاً الحقيقة التي يجب مواجهتها هو أن كل اعتداء على الحق في الحياة بكرامة هو ضرب لكل مسار حقوق الإنسان وللإنسانية جمعاء. ذلك أن تقويم الوضع الحقوقي الإنساني يستند إلى الواقع العالمي العام وليس إلى وضع شعب بعينه، باعتبار أن التحدي هو في احترام الإنسان بلفت النظر عن جنسه ولونه وعرقه ودينه وطبقته الاجتماعية.
لا شك في أن مسار حقوق الإنسان في العالم ما زال طويلاً، ولكن المطلوب على الأقل الحد الأدنى من التناغم بدل الهوَّة الكبيرة بين الخطاب والواقع.
الفكرة التي تبدو لي أنها جديرة بالتدبر فيها، تتمثل في ضرورة أن تتغير آليات الصراعات والحروب، وألا تعيد الحروب منذ قرون الأدوات نفسها، حيث إن حروب الألفية الثالثة لا يمكن في آلياتها أن تتطابق مع أدوات حروب القرنين الخامس عشر أو الرابع عشر مثلاً. وكما تطورت الأسلحة وشكل الحروب أيضاً فإن وضع المدنيين في الحروب من المفروض أن يكون قد عرف نقلة نوعية وضمانات في الأمن غير قابلة للنقاش ومصدر دفاع عالمي ثابت.
إن العالم ومنذ سنوات ارتفعت وتيرة الصراعات والحروب فيه بشكل غير مسبوق ما بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يعزز أكثر فأكثر من دور القانون الدولي في التدخل لإنقاذ ضحايا الجرائم التي تتم ضد الإنسانية. ذلك أن القانون الدولي هو الملاذ لضحايا الصراعات، ومن دون ذلك فإن كرامتهم وأرواحهم تذهب من دون أي تسليط للعقاب على الجناة، ونعتقد أنه لا يوجد ظلم أكبر من هذا. كما أن ارتكاب جرائم ضد الأطفال والنساء من دون عقاب فعلي سيجعل الجرائم تتكرر وتستمر، ومن ثم يكبر الخيال في أسطورة حقوق الإنسان.
هل يُعقل بعد كل الإنجازات في العلم والصحة والتكنولوجيا أن يتم قتل 21 ألف طفل فلسطيني و38 ألفاً من النساء والفتيات في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى اليوم؟
لقد وصفت اللجنة الأممية التابعة للأمم المتحدة التي قامت بالتحقيق، بأن إسرائيل تستهدف عمداً الأطفال، مما يفيد بأن الجرائم ضد الأطفال واضحة ومكتملة الأركان وتنقلها وسائل الإعلام بكل تفاصيلها البشعة. بل إن العدد المشار إليه يعد لا شيء مقارنةً بضحايا التجويع والبرد والوضع الصحي الرديء. يحصل كل هذا والعالم قد وقّع على اتفاقية دولية لحقوق الطفل.
كذلك وفي ظل الوضع الحقوقي المتشظي، فإن استخدام النساء والأطفال سلاح حرب في الصراع القائم بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني يثير مخاوف شتى بشأن مصداقية الخطاب الحقوقي وآليات الاحتجاج ضد العنف الجنسي المتفشي بشكل مرعب في ولاية جنوب دارفور، وحالات الاغتصاب الجماعي والتجنيد القسري للأطفال، إذ تشير الأرقام إلى معاناة 2000 امرأة من العنف الجنسي، كأن الخطاب العالمي حول مناهضة العنف ضد المرأة ضحك على الذقون.
تهتز مجتمعات كثيرة اليوم بسبب العنف الزوجي -وهذا أمر جيد بطبيعة الحال- ويصمت العالم عن استخدام النساء ورقة ترهيب واغتصابهن في الصراعات على السلطة.
نعتقد أن الجرائم لا يردعها غير القانون، وفي هذه الجرائم المرتكبة ضد الأطفال والنساء في فلسطين والسودان وغيرهما، الحل بيد القانون الدولي الذي من الضروري عليه أمام فداحة الجرائم وتكرارها تطوير آلياته لتكون أسرع وأقوى. وهنا نشير إلى قضية الإبادة الجماعية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل حيث حدّدت محكمة العدل الدولية مهلة تنتهي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027، أي بعد أن يتضاعف عدد الأطفال المقتولين بكل برودة دم.
الواضح أنه لا بد من آليات قوية وسريعة تتصدى لبشاعة الجرائم. فكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتجّ على آلياته؟

