عبد الله سليمان الطليان
تبحر في الحياة وتبدأ في صراع البقاء وتمجيد الذات واثبات وجودك بأشكال مختلفة تكون بسيطة في السعي إليها مع البداية ولكن تقوى بشدة في نمو عمرك وسلاح فكرك، الذي تغذى به من محيطه سوء من دائرة ضيقة أو واسعة ومفتوحة، معركة هي ملازمة لكل فرد على وجه الأرض مع اختلاف المعتقدات والعادات، ولكن تبقى الأخلاق موحدة التي تحكم الفرد إما إيجاباً أو سلباً في القول والسلوك وبعضها مضمرة في داخل القلب وهي تشكل لب الصراع الإنساني، بدأت مع نشأة البشر على الأرض، فراحت المواقف والأحداث تتفاعل بينهم حتى الآن، ومع مرور الزمن أصبحت ترصد في تاريخ وتروى من جيل إلى جيل، وإن كان فيه اختلاف في الحدث والموقف، ولكنها تظل ثابتة في صفاتها.
إنها الصفات التي تشكّل الوجه الآخر للإنسانية، تلك التي نكابر في الاعتراف بوجودها، لكنها تسري في دمائنا كالنار في الهشيم.
الكره ليس مجرد شعور عابر، بل هو نار مستعرة تولد من رحم الألم والإحباط. يبدأ الكره صغيراً كشرخ في جدار النفس، ثم يتسع مع كل موقف يُختزن في الذاكرة دون معالجة. إنه سمٌّ بطيء المفعول، يغذي نفسه بنفسه، وكلما أطعمته ازداد وحشية. أخطر ما في الكره أنه لا يُؤذي المُبغَض بقدر ما يُدمّر قلب الحاقد، فهو يجعله أسيراً لمن يكره، مربوطاً به برباط من السموم لا ينفك.
والطمع هو ذلك الجوع الأبدي الذي لا ترتوي له نفس. يبدأ الإنسان بسيطاً في مطالبه، قانعاً بما لديه، لكن مع تراكم السنوات وتوسع مداركه، تتحول الرغبة إلى نهم، والنهم إلى عمى. الجشع أن تأخذ ما لا تحتاج، وتحرم غيرك مما يحتاج، وأن تنظر إلى الآخرين وترى فيهم عوائق أو أدوات. إنه سجن من صنع الأنا، فالجشع لا يملأ فراغاً، بل يخلق فراغات جديدة، وكلما أُشبعت رغبة منه، نشأت عشر غيرها.
أما الحقد، فهو الكره الذي تأبّد وتجذّر في الأعماق. هو تلك الندبة التي لا تندمل، والتي يعود صاحبها لينبشها بين الحين والآخر ليتأكد من ألمها. الحقد ابن الإحباط والظلم المُدرَك، يتغذى على الذكريات المؤلمة ويكبر مع مرور الزمن. إنه يجعل الإنسان أسير الماضي، يعيش فيه ولا يعيش للحاضر. أخطر ما في الحقد أنه يُعمي البصيرة، فلا يرى الحاقد في عدوه إلا الشر، ولا يرى في نفسه إلا الضحية، وهذا الانكسار في الرؤية هو أقسى عقاب للنفس قبل أن يكون عقاباً للغير.
والحسد هو ذلك الثعبان الذي يزحف في قلب الإنسان حين يرى نعمة عند غيره. يختلف عن الطمع، فالطمع ما لدى الآخر، أما الحسد فيتمنى زوال النعمة عن الآخر ولو لم تصل إليه. إنه شعور لاذع يحرق صاحبه قبل أن يمس الآخر، يجعله يرى إنجازات غيره كإهانات شخصية له. الحسد يسرق الفرح من قلب صاحبه، ويجعله عاجزاً عن رؤية الجمال في حياة الآخرين دون أن يشعر بالألم.
والأنانية هي نواة كل هذه الصفات، فهي جعل الذات محور الكون، ورؤية الآخرين كأطراف ثانوية في مسرحية الحياة التي بطلها الأول والوحيد هو الأنا. تبدأ الأنانية بسيطة كدفاع غريزي عن البقاء، لكنها تتحول مع الزمن إلى مرض يمنع صاحبه من رؤية احتياجات الآخرين أو مشاعرهم. الأناني لا يرى في العلاقات إلا ما يمكن أن يأخذه، ولا يبذل إلا ما يمكن أن يعود عليه بالنفع. إنها عزلة مقنّعة بثياب القوة، لكنها في الحقيقة هشاشة ترفض الاعتراف بوجود آخرين يستحقون الاهتمام.
والغيرة تأتي كشعور متناقض، فهي تحمل في طياتها رغبة في التملك وخوفاً من الفقدان. قد تكون الغيرة دافعاً للتطور والتحسين، لكنها سرعان ما تتحول إلى سمّ حين تتجاوز حدودها الطبيعية. الغيرة المرضية تجعل الإنسان يشك في كل شيء، تراقب وتتوجس، تخنق من تحب بكثرة اهتمامها، وتدفع صاحبها إلى التصرف بطرق غير عقلانية. إنها سجن الآخر والسجان معاً.
والنفاق هو أعقد هذه الصفات، لأنه يتطلب وعياً مزدوجاً: أن تكون شيئاً وتظهر عكسه. المنافق يعيش في صراع دائم بين باطنه وظاهره، يبني جدراناً من الأقنعة التي ترهقه مع الوقت. قد ينجح في خداع الآخرين، لكنه لا يستطيع خداع نفسه في لحظات الصفاء. النفاق يفسد العلاقات ويُفقد الثقة، وهو وباء اجتماعي يقتل الصدق ويحول المجتمعات إلى مسارح بلا روح. إنه اعتراف ضمني بأن الحقيقة عاجزة عن الدفاع عن نفسها.
والكذب هو أداة النفاق ولسانه. يبدأ صغيراً كذبة بيضاء لتجنب إحراج، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى نسجٍ من الواقع الموازي الذي يعيش فيه الكاذب. الكذب ينكسر فيه انعكاس الحقيقة، فتختلط الأمور على الكاذب نفسه أحياناً، فيصدق كذبه ويضيع بين عوالم متعددة. أخطر ما في الكذب أنه يُفقد الإنسان ثقة الآخرين، والأقسى أنه يُفقده ثقته بنفسه، لأنه يدرك في أعماقه أنه ليس كما يظهر.
وهنا يأتي دور الأخلاق لتكون البوصلة التي تعيد الإنسان إلى صوابه. فالصراع الإنساني ليس في وجود هذه الصفات - فهي جزء من التكوين النفسي - بل في كيفية التعامل معها. الأخلاق ليست غياب هذه الصفات، بل هي القدرة على ترجمتها وقهرها.
والأخلاق - التي تحدثنا عنها في المقدمة- ليست مجموعة من القواعد الجامدة، بل هي ممارسة يومية في ضبط النفس، قرار يتخذ في كل لحظة: هل نستسلم للكره أم نختار التسامح؟ هل نغذّي الطمع أم نزرع القناعة؟ هل نطلق العنان للحقد أم نحرره بالعفو؟ هل نستسلم للحسد أم نبارك للآخرين؟
الأخلاق الحقة هي تلك التي تظهر في أشد لحظات الضعف، حين تكون النفس في أمس الحاجة إلى الانزلاق إلى الظلام. إنها اختيار واعٍ للخير رغم وجود الشر، وللصبر رغم الألم، وللصدق رغم راحة الكذب.
في نهاية هذا التأمل، ندرك أن الصراع الإنساني الأعمق لا يدور بين البشر فقط، بل بين الإنسان ونفسه. إن معركة البقاء الحقيقية ليست في إثبات الذات أمام الآخرين، بل في تحقيق التوازن بين غرائزنا وقيمنا، بين ما نريد وما ينبغي.
تلك الصفات المظلمة -الكره، الطمع، الحقد، الحسد، الأنانية، الغيرة، النفاق، الكذب- ليست أعداءً من الخارج، بل هي جزء من تركيبتنا البشرية، وجزء من تاريخنا، ورويت في حكايات الأجداد وتناقلها الأجيال لأنها حقائق إنسانية خالدة. وما يميز الإنسان ليس خلوّه منها، بل صراعه الدائم لتجاوزها، واختياره المتكرر للنور رغم إغراءات الظلام.
وهكذا تبقى الأخلاق - بثباتها عبر الزمان والمكان - هي المعيار الذي نحكم به على أنفسنا، وهي السلاح الوحيد القادر على ترويض تلك القوى المتوحشة في داخلنا، وتحويل صراع البقاء إلى رحلة إنسانية نبيلة، تهدف ليس فقط إلى العيش، بل إلى العيش معاً بكرامة وسلام.

