كان صديقي يواظب، بصورة تكاد تكون يومية، على قراءة الصحف، ويتابع ما تنشره الدوريات الأسبوعية والشهرية بشغف لا يفتر. لم تكن الصحيفة بالنسبة إليه مجرد أوراق مطبوعة تُقرأ ثم تُطوى، بل كانت نافذة واسعة يطلّ منها على العالم، ويتعرّف من خلالها إلى الناس والأفكار والأحداث والتحولات. وكان يشعر، كلما أمسك بعدد جديد، أنّه يدخل عالمًا نابضًا بالحياة، تتجاور فيه السياسة والثقافة والأدب والاقتصاد، وتلتقي على صفحاته هموم الناس وأحلامهم وأسئلتهم الكبرى.
هذا الحب لم يكن وليد مصادفة عابرة، وإنما عادة ترسّخت في ضميره ووجدانه منذ مطلع شبابه، حتى تحوّلت إلى عطش لا حدود له. كان يتابع ما يُنشر، ويتأمّل ما يكتبه الصحافيون والمثقفون والكتّاب، ويحاول أن يفهم كيف تُصاغ الجملة، وكيف يُبنى الخبر، وكيف يستطيع التحقيق أن يكشف ما هو خفي، وكيف ينجح الحوار في استخراج ما وراء الكلمات. وكان يقرأ المقالات مرات عدّة، لا ليحفظها، بل ليستوعب أساليبها، ويميّز بين الكاتب الذي يكتب من قلب التجربة، وآخر يكتفي بترديد العبارات المألوفة.
تعلّق بالصحافة الورقية إلى حدّ الجنون منذ الصغر، وظلّ هذا التعلّق يكبر معه عامًا بعد عام. ولم يكن يكتفي بالعناوين البارزة، بل كان يغوص في التفاصيل الصغيرة، ويقرأ الأعمدة والزوايا والافتتاحيات، ويتوقف عند التحقيقات والحوارات والريبورتاجات. كان يجد في الخبر معلومة، وفي المقال موقفًا، وفي التحقيق نافذة على واقع مسكوت عنه، وفي الحوار فرصة لفهم الشخصيات من داخلها. وكانت الصحيفة بالنسبة إليه مدرسة مفتوحة، لا تغلق أبوابها ولا تحدّها جدران.
كان ينجذب إلى ما تنشره الصحف من مواد خبرية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وإلى كل ما يمس حياة المواطن وهمومه اليومية. وكان يؤمن بأن الصحافة الحقيقية لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تذهب إلى ما وراءها، وتمنح الصوت لمن لا صوت له، وتكشف مواطن الخلل، وتدافع عن الحق في المعرفة. لذلك لم يكن غريبًا أن تصبح الصحافة جزءًا من تكوينه، وأن يتحول اهتمامه بها إلى رغبة صادقة في الدخول إلى عالمها، لا من باب الشهرة، وإنما من باب الشغف والمسؤولية.
وطوال سنوات طويلة، ظل حريصًا على الذهاب إلى المكتبة الرئيسة في المدينة التي يعيش فيها. كانت تلك المكتبة بالنسبة إليه مكانًا ذا طقوس خاصة، يلتقي فيه أمثاله من عشاق الصحافة، ممن ينتظرون وصول الصحف والمجلات بلهفة. وكانت السيارة التي تنقل الصحف تقطع مسافات بعيدة، تتجاوز أحيانًا ألفًا ومئتي كيلومتر، قبل أن تصل إلى المدينة. وكان وصولها حدثًا يوميًا ينتظره المهتمون بشغف، ثم يقوم صاحب المكتبة بتوزيع الصحف على أصحاب المكتبات الأخرى، وبيعها للقراء بأسعار رمزية.
وبالرغم من بساطة الأسعار، فإن شراء الصحف بصورة مستمرة كان يستنزف ما يدّخره الشباب من مبالغ قليلة. ومع ذلك، لم يكن أحد منهم يشعر بالندم، لأن ما يدفعونه كان في نظرهم ثمنًا للمعرفة، لا ثمنًا للورق. كانوا يختارون الصحيفة بعناية، ويمسكونها كما لو كانوا يمسكون كنزًا صغيرًا، ثم ينصرف كل واحد منهم إلى زاويته ليقرأ ويقارن ويتأمل.
في أيام الشتاء، كانت المشقة أكبر. كثيرًا ما تأخرت السيارة التي تنقل الصحف، فينتظرون حتى ساعة متأخرة من النهار، غير عابئين بالبرد القارس أو المطر. كانوا يقفون أمام المكتبة، يتبادلون الأحاديث والتوقعات حول العناوين والموضوعات، وحين تصل الصحف، يتبدل التعب إلى فرح، ويشعرون بأن انتظارهم لم يذهب سدى. كان ذلك نوعًا من العشق لا تفسره الحاجة وحدها، بل تفسره الرغبة العميقة في المعرفة، والإحساس بأن العالم يصبح أكثر وضوحًا حين يُقرأ.
لم يكن سحر الصحافة يكمن في الكلمة وحدها، بل في ما تفتحه الكلمة من آفاق. فالكلمة قد تكشف حقيقة، وقد تعيد الاعتبار إلى مظلوم، وقد تحرك رأيًا عامًا، وقد تضيء زاوية معتمة في المجتمع. ومن هنا، كان الشعور بالمسؤولية يتسلل مبكرًا إلى وعي ذلك الصديق. كان يدرك أن الصحافي لا يملك ترف العبث، لأن ما يكتبه قد يؤثر في الناس، ويوجه أفكارهم، ويصنع مواقفهم، وربما يغيّر حياة بعضهم.
إنه عشق صادق للكلمة، وحب خالص لهذه المهنة التي تعلّقنا بها، وما زالت إلى اليوم تكوّن جزءًا كبيرًا من شخصيتنا. كثيرون من أبناء ذلك الجيل شاركوه هذا الحلم، وبدأوا من النقطة نفسها: من التعلق بالصحف، ومن جمع القصاصات، ومن كتابة المحاولات الأولى على دفاتر المدرسة، ومن مراقبة أسماء الصحافيين والكتّاب وهي تتكرر على الصفحات.
لكن الطريق لم يكن واحدًا للجميع. فمنهم من استمر، ومنهم من أخذته متطلبات الحياة إلى مجالات أخرى، ومنهم من تراجع أمام صعوبة المهنة وضيق الفرص، وقلة فقط ظلّت وفيّة لذلك الشغف القديم. وهؤلاء هم الذين دفعوا الغالي والنفيس، وتحملوا التعب والانتظار وخيبات البدايات، لأنهم آمنوا بأن الصحافة ليست عملًا عابرًا، بل رسالة ومسؤولية وموقف.
والنجاح في الصحافة لا يأتي من الرغبة وحدها، ولا من موهبة الكتابة فحسب، بل يحتاج إلى صبر طويل، وقراءة دائمة، ومتابعة متواصلة، وإخلاص للمهنة. يحتاج إلى أن يتعلم الصحافي كل يوم، وأن يراجع نفسه، وأن يعترف بأخطائه، وأن يطوّر لغته وأدواته. فالصحافي الذي يتوقف عن القراءة، يتوقف عن النمو، والذي يظن أنه بلغ الكمال، يبدأ في التراجع من حيث لا يشعر.
كما أن النجاح لا يتحقق بكثرة الظهور، ولا بالألقاب التي يمنحها بعض الناس لهذا الكاتب أو ذاك، ولا بالإطراء السريع الذي قد يصنع وهمًا مؤقتًا. النجاح الحقيقي هو أن يجد القارئ نفسه في النص، وأن يشعر بأن ما يقرأه صادق وقريب من حياته، وأن يثق بأن الكاتب لا يستخفّ بعقله، ولا يحاول توجيهه بالقوة، بل يضع أمامه الوقائع والأفكار، ويترك له حرية الحكم.
ما زال اليوم كثير من العاشقين والمتحمّسين لصاحبة الجلالة يُدافعون عنها، ويتمسّكون بها، بالرغم من التحديات التي تواجه الصحافة الورقية خصوصًا، والصحافة عمومًا. لقد تغيّرت الوسائل، وظهرت المنصات الرقمية، وتسارعت الأخبار، وأصبح القارئ يواجه سيلًا هائلًا من المعلومات. ومع ذلك، بقيت الحاجة إلى الصحافي الحقيقي قائمة، بل أصبحت أكثر إلحاحًا، لأن كثرة الأخبار لا تعني بالضرورة كثرة الحقيقة.
في زمن السرعة، يحتاج القارئ إلى من يتحقق قبل أن ينشر، ويشرح قبل أن يحكم، ويبحث قبل أن يكتب. ويحتاج المجتمع إلى صحافة لا تركض وراء الإثارة فقط، ولا تلهث خلف الشهرة العابرة، بل تحافظ على المعنى، وتحترم الناس، وتدافع عن الحقيقة مهما كانت صعبة. فالمهنة التي تفقد صدقها تفقد جمهورها، والصحافي الذي يبيع قلمه يفقد نفسه قبل أن يفقد قراءه.
إنَّ المتابعة وحب العمل والإخلاص له هي الخطوات التي تفتح باب النجاح. ولا يحتاج الكاتب أو الصحافي إلى من يتوّجه الأفضل، أو يرفع اسمه فوق الآخرين. الأفق واسع، والمجال يتسع لكل من يملك كلمة صادقة وتجربة حقيقية. فالقارئ أكثر وعيًا مما يظن البعض، وهو قادر على التمييز بين النص المكتوب بإخلاص، والنص المصنوع للضجيج.
المواطن ليس بحاجة إلى إرشاد مباشر أو وصاية على عقله، بل يحتاج إلى معلومة واضحة، ورأي مسؤول، وتحليل نزيه. وعلى الكاتب والصحافي أن يقدّم خلاصة عمله وجهده بصدق، وأن يحترم اختلاف القراء، وأن يدرك أن النقد ليس عداءً، بل فرصة للمراجعة والتطور.
الصحافة طريق طويل، لا يخلو من التعب والتعثر، لكن من يحبّها حقًا يجد في مشقتها متعة، وفي صعوبتها دافعًا للاستمرار. وكل خطوة صادقة على هذا الطريق تقرّب الصحافي من النجاح، لا النجاح القائم على الشهرة المؤقتة، بل النجاح الذي تصنعه الثقة، وتحفظه الذاكرة، ويمنحه القارئ لمن يستحقه.
وهكذا يبقى البحث عن النجاح في الصحافة بحثًا عن الصدق أولًا، وعن المعرفة ثانيًا، وعن احترام الإنسان دائمًا. ومن يجمع هذه القيم، ويظل وفيًا للكلمة، يجعل النجاح حليفه، حتى وإن تأخر، لأن الكلمة الصادقة قد تتأخر في الوصول، لكنها حين تصل، تبقى.


