: آخر تحديث
مبدعون عرب في الذاكرة (6)

نهيان بن مبارك.. مبدع الوعي ومهندس الإنسان وباني جسور التسامح

0
2
2

هناك شخصيات في حياة الأمم تتجاوز حدود المناصب والألقاب، فتغدو رمزًا لقيم إنسانية راسخة، وعنوانًا لمرحلة من البناء والتنوير. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، بوصفه واحدًا من الوجوه الإماراتية التي اقترنت بالتعليم والثقافة والتسامح، حتى بدا وكأنه يحمل مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، والعقل قبل العمران.

حين نقترب من سيرته لا نقرأ تاريخ رجل تنقّل بين الوزارات، بل نقرأ سيرة فكرة آمنت بالإنسان قبل المؤسسة، وبالعقل قبل السلطة. فبعض الرجال يمرون في المناصب، أما هو فقد مرّت المناصب عبره واكتسبت من حضوره معناها.

ولد عام 1951، ونشأ في مرحلة كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تشق طريقها نحو بناء مشروعها الحضاري الكبير. وقد تلقى تعليمه في مدرسة ميدفيلد البريطانية، ثم واصل دراسته في كلية ماجدالين بجامعة أكسفورد، ليعود إلى وطنه محملًا بمعرفة أكاديمية عميقة ورؤية إنسانية واسعة، جعلته يدرك أن التنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الأبراج ولا بعدد الطرق، وإنما بمقدار ما يملكه الإنسان من علم وثقافة وقدرة على العطاء.

ومنذ بدايات عمله العام، بدا واضحًا أن التعليم سيكون بوصلته الأولى. فقد ارتبط اسمه بجامعة الإمارات العربية المتحدة وكليات التقنية العليا وجامعة زايد، وهي مؤسسات شكلت أعمدة التعليم العالي في الدولة. وخلال سنوات طويلة من إشرافه عليها، لم يكن ينظر إليها كمبان أو هياكل إدارية، بل كحدائق للعقول، تُزرع فيها المعرفة لتثمر جيلًا قادرًا على الإبداع والابتكار.

كان يرى أن المدرسة ليست جدرانًا وسبورة، بل ورشة لصناعة المستقبل، وأن المعرفة ليست حقائب تُحمل، بل نوافذ تُفتح على العالم. لذلك لم يتعامل مع التعليم بوصفه مهنة دولة، وإنما بوصفه رسالة حضارية غايتها تحرير الإنسان من ضيق الجهل إلى اتساع المعرفة.

وإذا كانت شخصيته التربوية قد تشكلت في فضاء التعليم، فإن شخصيته الإنسانية تجلت بصورة أكثر وضوحًا في مشروعه للتسامح والتعايش. فمنذ توليه وزارة التسامح والتعايش، لم يتعامل مع التسامح بوصفه شعارًا سياسيًا أو خطابًا إعلاميًا، بل بوصفه فلسفة حياة وممارسة يومية. فهو يرى أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه من قوة أو نفوذ، بل بقدرته على احترام الآخر، والإنصات إليه، والعيش معه في سلام.

ولعل أجمل ما يميز خطابه الفكري أنه ينطلق من رؤية متفائلة بالإنسان. فهو يؤمن بأن البشر، مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم، قادرون على الالتقاء حول القيم المشتركة؛ قيم الرحمة والعدل والمحبة والتعاون. ومن هنا جاءت دعواته المتكررة إلى ترسيخ ثقافة الأخوة الإنسانية، وتعزيز الحوار بين الحضارات، وجعل التسامح قوة فاعلة في مواجهة التعصب والكراهية.

وفي شخصيته جانب إنساني عميق يرتبط بإيمانه بالشباب. فهو لا يتحدث عن الشباب بوصفهم فئة عمرية فحسب، بل بوصفهم طاقة وطنية متجددة. ولذلك ظل يدعو إلى تمكينهم، وإشراكهم في صناعة القرار، وتوفير المناخ الذي يسمح لهم بالإبداع والابتكار. وهو يرى أن الشباب ليسوا مستقبل الأمة فقط، بل حاضرها أيضًا، وأن الثقة بهم هي الاستثمار الأهم لأي دولة تسعى إلى التقدم.

ومن يقرأ كلماته وخطاباته يلاحظ حضورًا دائمًا لمفردات الهوية الوطنية والانتماء والثقافة. فهو يدرك أن الأمم القوية لا تعيش على الاقتصاد وحده، بل تحتاج إلى ذاكرة تحفظها، وهوية تجمع أبناءها، وقيم أخلاقية تحمي وحدتها. لذلك كان حريصًا على دعم المبادرات الثقافية، وتشجيع اللغة العربية، وربط الأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها.

ويكشف اهتمامه المتزايد بالذكاء الاصطناعي عن عقل منفتح على المستقبل. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخدم الإنسان دون أن تفقده إنسانيته؟ وهو سؤال يعكس جوهر فلسفته الفكرية التي ترى أن التقدم الحقيقي ليس في امتلاك التقنية فحسب، بل في توجيهها لخدمة القيم الإنسانية النبيلة.

إن المتأمل في مسيرته يكتشف شخصية تجمع بين الحكمة والتواضع، وبين الرؤية الاستراتيجية والبعد الإنساني. فهو من أولئك القادة الذين يدركون أن بناء الإنسان هو أعظم إنجاز يمكن أن تحققه الأمم، وأن التسامح ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة حضارية لبقاء المجتمعات واستقرارها.

لقد اختار أن يكون قريبًا من الناس، من الطلاب والمثقفين والشباب وأصحاب المبادرات المجتمعية، مؤمنًا بأن القيادة الحقيقية لا تعني الجلوس في المكاتب المغلقة، بل النزول إلى الميدان والاستماع إلى نبض المجتمع. ولذلك اكتسب احترامًا واسعًا داخل الإمارات وخارجها، بوصفه شخصية تمثل الوجه الإنساني والحضاري للدولة.

أما على المستوى الشخصي، فقد أتيحت لي فرصة اللقاء بالشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في أكثر من ندوة ومؤتمر، ولا سيما في الجلسات السنوية التي كانت تنظمها صحيفة الخليج، فوجدت أمامي نموذجًا فريدًا للمسؤول المثقف والمفكر المتنور والإنسان الحكيم. كان حضوره يسبق كلماته، وتواضعه يسبق مكانته، وابتسامته الهادئة تفتح أبواب الحوار قبل أن يبدأ الحديث. وبالرغم من ما يحمله من مسؤوليات ومناصب رفيعة، فإنه يتعامل مع الجميع بروح الإنسان البسيط الذي يرى في الآخر شريكًا في المعرفة والحياة.

ولعل أكثر ما يلفت النظر فيه ذلك التواضع الجميل الذي يعجز القلم عن الإحاطة بأبعاده، فهو تواضع نابع من ثقة بالنفس، ومن إيمان عميق بقيمة الإنسان أيًا كان موقعه أو مكانته.

لقد شعرت في كل لقاء معه أنني أمام شخصية استثنائية تجمع بين الحكمة والثقافة والرؤية الإنسانية الواسعة، شخصية وطنية وقومية تنظر إلى المستقبل بعين الأمل، وإلى الإنسان بعين الاحترام والمحبة. ومهما حاولت الكلمات أن تصفه، فإنها تبقى أقل من أن تفيه حقه؛ لأنه من أولئك الرجال الذين تتجاوز سيرتهم حدود المناصب، وتبقى قيمهم وأخلاقهم وإنجازاتهم شاهدة على حضورهم في ذاكرة الوطن ووجدان الناس. إنه بحق شخصية إنسانية ووطنية تفوق الأوصاف، ورجل من طراز نادر، ترك وما يزال يترك أثرًا مضيئًا في كل من يلتقيه أو يستمع إليه.

ويمكن اعتباره واحدًا من المبدعين العرب الذين أسهموا في ترسيخ مفهوم التعليم بوصفه مشروعًا حضاريًا، والتسامح بوصفه ثقافة حياة وأسلوبًا في بناء المجتمعات. فقد تجاوز دوره حدود الإدارة والمؤسسات إلى صناعة رؤية إنسانية متكاملة، جعلت من المعرفة جسرًا للتنمية، ومن التعايش قاعدة للاستقرار والتقدم.

وعلى مدى عقود، أسّس تقاليد نموذجية في بناء الأوطان، تقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز قيم المواطنة والانفتاح والحوار، والإيمان بأن التنمية الحقيقية تبدأ من العقل المستنير والشخصية المتوازنة. لقد كان مبدعًا في قدرته على زرع الطاقة الإيجابية في النفوس، وبث روح التفاؤل والعمل، وغرس بذور الوعي المجتمعي في الأجيال الجديدة، حتى غدا اسمه مرتبطًا بمشروعات التنوير والتثقيف وتمكين الشباب، وبكل ما من شأنه أن يجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل بثقة واقتدار.

وهكذا يبدو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان واحدًا من كبار البنّائين في مشروع الإنسان الإماراتي؛ رجل لم ينشغل ببناء الحجر بقدر ما انشغل ببناء البشر، ولم يكتف بتشييد المؤسسات، بل عمل على ترسيخ منظومة من القيم والمعرفة والتسامح، حتى غدت بصماته حاضرة في وجدان المجتمع كما هي حاضرة في مؤسساته.

وبين التعليم والثقافة والتسامح، نقش اسمه في سجل المبدعين الكبار الذين أدركوا أن أعظم ما يخلّده الإنسان ليس المنصب ولا السلطة، بل ما يزرعه من نور في العقول، وما يغرسه من قيم نبيلة في النفوس، وما يتركه من أثر كريم في القلوب والأجيال.

لقد اختار أن يكون صانعًا للوعي أكثر من كونه صانعًا للقرارات، وبانيًا للجسور أكثر من كونه حارسًا للحدود. ولذلك لم يرتبط اسمه بمنصب شغله، بل بفكرة حملها، ورسالة آمن بها، ومشروع إنساني ظل يدافع عنه في التعليم والثقافة والتسامح.

والتاريخ يقول: عندما تُكتب سِيَر الرجال بعد رحيلهم، يُذكر بعضهم بما امتلكوا من سلطة، ويُذكر آخرون بما جمعوا من مال، أما نهيان بن مبارك فيُذكر بما تركه من نور. والنور لا يشيخ، ولا يغيب، ولا يُدفن في أرشيف السنوات. إنه يبقى حيًا في العقول التي أيقظها، والقلوب التي ألهمها، والأجيال التي تعلّمت منه أن بناء الإنسان هو أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه وللتاريخ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.