: آخر تحديث

بندقية تحت الطلب

1
1
2

ليست كل الوقائع بحاجة إلى كثير من التنقيب حتى تُفهم، ولا كل الأحداث تحتاج إلى جهد كبير لاستكناه ما بين سطورها؛ ثمة وقائع تفرض حقيقتها بنفسها، وتكشف أهدافها من دون مواربة، إلى الحد الذي يصبح فيه الغموض نفسه نوعًا من التواطؤ مع الحقيقة لا بحثًا عنها. ومن هذا القبيل تمامًا ما جرى في 20 حزيران (يونيو) 2026 في العاصمة الفرنسية باريس، عندما أقدمت الشرطة الفرنسية على إلغاء التظاهرة الكبرى التي كان من المقرر أن يشارك فيها أكثر من مئة ألف إيراني مناهض للنظام، مطالبين بإسقاطه. فما حدث يومذاك لم يكن مجرد إجراء أمني عابر، بل واقعة سياسية فاضحة في دلالاتها، وفجة في ما انطوت عليه من رسائل ومقاصد.

إن الحركات السياسية المعارضة لا تُقاس بما تدعيه عن نفسها، بل بما راكمته من تاريخ في المواجهة، وما قدمته من تضحيات في الصراع ضد الاستبداد. فالتاريخ النضالي هو وحده الشاهد الحقيقي على صدقية أي معارضة، وهو وحده ما يمنحها الشرعية السياسية والأخلاقية أمام شعبها وأمام العالم. أما أن يخرج علينا طرف لا يملك رصيدًا نضاليًا حقيقيًا، ولا تاريخًا فعليًا في مقاومة الدكتاتورية، ليقدم نفسه بوصفه بديلًا أو ممثلًا للمعارضة، فذلك ليس سوى انتحال سياسي مفضوح. وهذا هو تمامًا حال بقايا وأيتام نظام الشاه، الذين يحاولون، بين حين وآخر، إعادة تدوير أنفسهم تحت لافتة معارضة النظام القائم، متناسين أو متجاهلين أنهم في الأصل امتداد لنظام دكتاتوري سبق أن أسقطه الشعب الإيراني بثورته عام 1979.

وعندما يُذكر اسم المعارضة الإيرانية الجادة، فإن أول ما يفرض حضوره على الذاكرة السياسية هو منظمة مجاهدي خلق؛ لا لأنها ترفع هذا الادعاء، بل لأن تاريخها هو الذي يفرضه. فهذه المنظمة لم تبدأ معركتها ضد الدكتاتورية مع قيام نظام ولاية الفقيه فحسب، بل سبقت ذلك إلى مواجهة دكتاتورية الشاه نفسها، وأسهمت بدور فاعل في إسقاطها. ومن هنا، فإن كل محاولة لإقصائها من المشهد، أو التغطية على دورها، أو التقليل من وزنها وتأثيرها، ليست مجرد قراءة منحازة، بل هي محاولة عبثية لتزوير الوقائع ومصادرة التاريخ. فمنظمة مجاهدي خلق لا تستمد حضورها من حملة إعلامية عابرة، ولا من دعم ظرفي أو هندسة سياسية مصطنعة، وإنما من سجل طويل من المواجهة الصريحة مع الاستبداد، ومن كلفة باهظة دفعتها في سبيل ذلك.

وإذا كان من ملاحظة تستحق التوقف عندها مليًا، فهي أن كل انتفاضة شعبية واسعة ضد النظام الإيراني تكاد تترافق، بصورة تثير الريبة، مع محاولات منظمة لتسليط الضوء على بقايا نظام الشاه، وإعادة تقديمهم بوصفهم بديلًا جاهزًا أو واجهة للمعارضة. ولا يقف الأمر عند حدود الترويج الإعلامي، بل يتعداه إلى محاولة مقصودة لإزاحة الدور المحوري الذي تؤديه مجاهدي خلق في التحريض على الانتفاضة أو الإعداد لها أو تنظيمها. والمفارقة الساخرة هنا أن هذا التقديم المصطنع لبقايا الشاه لا يخدم المعارضة بقدر ما يخدم النظام نفسه؛ إذ إن إدخال هذا الطرف المشبوه على خط أي انتفاضة لا يؤدي إلا إلى تشويش صورتها، وإرباك رسالتها، ومنح النظام ذريعة إضافية لتصعيد القمع وممارسة مزيد من العنف الوحشي بحق المنتفضين. وما جرى في انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026 ليس إلا مثالًا صارخًا على هذه المعادلة المريبة.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بمجرد خلاف سياسي بين أطراف معارضة، ولا بتنافس طبيعي على تمثيل الشارع الإيراني، بل تتصل بوظيفة سياسية خطيرة يؤديها هذا الطرف كلما دخل المشهد. فبقايا دكتاتورية الشاه لم يعودوا مجرد ظلال لماض سقط، بل باتوا، في لحظات التأزم والانتفاض، أقرب إلى بندقية تحت الطلب بيد النظام، تُستدعى عند الحاجة لتشويه أي حراك شعبي حقيقي، وإرباك مساره، وتقويض فرصه في التحول إلى تهديد جدي للدكتاتورية القائمة. وهذا بالضبط ما يجعل دورهم أخطر من مجرد حضور إعلامي مضلل؛ لأنهم يتحولون، موضوعيًا ووظيفيًا، إلى أداة مساعدة في إجهاض الانتفاضات، حتى وإن ظهروا في ثياب الخصومة مع النظام.

وعلى هذا الأساس، فإن ما جرى في 20 حزيران (يونيو) 2026 لا يمكن عزله عن هذا السياق. فمشاركة بقايا نظام الشاه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الدفع نحو إلغاء تظاهرة ضمت أكثر من مئة ألف إيراني مناهض للنظام، تكشف مرة أخرى عن طبيعة الدور الذي يؤدونه، وعن الجهة التي تصب في مصلحتها تحركاتهم في اللحظات المفصلية. وعندما تصبح النتيجة الفعلية لتحركاتهم هي إضعاف صوت الإيرانيين المطالبين بإسقاط النظام، وتعطيل حراكهم، وتوفير متنفس سياسي للنظام في لحظة ضغط عليه، فإن الأمر لا يعود قابلًا للتأويل أو التخفيف، بل يصبح دليلًا إضافيًا على أن هؤلاء ليسوا بديلًا عن الاستبداد، بل أحد وجوه خدمته غير المعلنة.

إنَّ أخطر ما في المشهد الإيراني اليوم ليس فقط بطش النظام، بل أيضًا هذا السعي المنهجي إلى خلط الأوراق، وتشويه معايير المعارضة الحقيقية، وصناعة بدائل وهمية تُستخدم عند الحاجة لإجهاض أي فرصة للتغيير. ولهذا، فإن التمييز بين المعارضة التي صنعت تاريخها في مواجهة الدكتاتورية، وبين الأطراف التي تحاول التسلق على تضحيات الآخرين أو الالتفاف عليها، لم يعد مسألة سياسية فحسب، بل أصبح شرطًا ضروريًا لفهم ما يجري في إيران، ولحماية أي انتفاضة شعبية من الاختراق والتخريب والاحتواء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.