: آخر تحديث

وزارة التربية حين تتحول صناعة الإنسان إلى حصة سياسية

1
1
1

ليست أخطر وزارة في الدولة تلك التي تملك السلاح أو المال، بل تلك التي تصنع العقل. فالجيوش تحمي الحدود، والاقتصاد يدير الثروة، أما التربية فهي التي تصنع الإنسان القادر على حماية الاثنين معًا. ومن هنا تبدأ أزمة لبنان الحقيقية؛ فهي ليست أزمة مناهج أو امتحانات أو تمويل فحسب، بل أزمة في الطريقة التي اختير بها، في كثير من المراحل، من يتولى قيادة الوزارة التي تصنع أجيال الوطن.

في الدول التي أدركت قيمة الإنسان، لم تكن وزارة التربية حقيبة تُوزع لإرضاء التوازنات السياسية، بل مسؤولية وطنية تُسند إلى أصحاب الرؤية والخبرة. أما في لبنان، فقد خضعت هذه الوزارة، شأنها شأن غيرها، في محطات عديدة لمنطق المحاصصة، حتى أصبح السؤال عند تشكيل الحكومات: لمن ستكون وزارة التربية؟ بدلًا من السؤال الأهم: من هو الأقدر على قيادة مشروعها؟

ولا يُقصد بهذا الكلام أن كل وزير جاء من خارج الوسط التربوي كان وزيرًا غير ناجح، فالكفاءة ليست حكرًا على اختصاص معين، لكن الخلل كان في غياب معيار ثابت يجعل المشروع التربوي والخبرة التعليمية أساسًا للاختيار، لا مجرد عنصر ثانوي أمام الحسابات السياسية.

ولأن البداية كانت خاطئة، جاءت النتائج على صورتها. فكل وزير حمل تصورًا مختلفًا، وكل حكومة بدأت من نقطة الصفر، وكل خطة إصلاح وُلدت وهي تحمل تاريخ انتهائها. ولم يعد هذا التبدل مجرد مسألة إدارية، بل أصبح سببًا مباشرًا في غياب الاستمرارية التربوية. وبالرغم من المحاولات المتكررة لتحديث المناهج في لبنان منذ أواخر التسعينيات، بقيت هذه المناهج في جوهرها دون تطوير جذري يواكب التحولات العلمية والتكنولوجية السريعة في العالم.

وحين تدخل المحاصصة إلى باب الوزارة، لا تبقى في مكتب الوزير، بل تمتد إلى الإدارات واللجان والقرارات، فتفقد المؤسسة قدرتها على التخطيط البعيد، ويصبح التغيير مرهونًا بتبدل الأشخاص لا بثبات الدولة.

وقد جاءت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان لتكشف حجم الهشاشة التي أصابت القطاع التربوي. فتراجعت إمكانات المدرسة الرسمية بشكل حاد، وواجه المعلمون ظروفًا معيشية صعبة، وهاجر عدد كبير من الكفاءات التربوية، بينما وجد آلاف التلامذة أنفسهم أمام واقع تعليمي يفتقر إلى الاستقرار والحد الأدنى من الدعم.

وسط هذا المشهد، يبرز اسم كمال جنبلاط بوصفه تجربة تستحق التأمل. فعندما تولى وزارة التربية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، لم يتعامل معها كمنصب سياسي، بل كجزء من مشروع بناء الدولة الحديثة.

كان يؤمن بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من المدرسة، وأن حرمان طفل في قرية نائية من التعليم ليس خللًا تربويًا فحسب، بل ظلم وطني. لذلك عمل على توسيع التعليم الرسمي، ودعم إنشاء المدارس والثانويات في المناطق المحرومة، وسعى إلى جعل التعليم حقًا متاحًا لأبناء الأطراف، لا امتيازًا جغرافيًا أو اجتماعيًا.

ولم يكن ينظر إلى المدرسة كفضاء للتلقين، بل كمكان لتكوين الإنسان الحر: عقلًا ناقدًا، ومواطنًا مسؤولًا، وشخصًا يؤمن بأن الاختلاف لا ينفي الانتماء إلى وطن واحد.

ولذلك انسجم عمله مع روح مشروع بناء الدولة في تلك المرحلة، لكنه أضاف إليه بعدًا فكريًا وإنسانيًا، ربط فيه بين التعليم والعدالة، وبين المعرفة والتنمية، وبين المدرسة ووحدة المجتمع. ولم تكن المدرسة الرسمية عنده مدرسة الفقراء، بل مدرسة الدولة التي يجتمع فيها اللبنانيون على قاعدة المساواة في الفرص.

واستحضار هذه التجربة لا يعني الحنين إلى الماضي، بل التذكير بأن الوزارة تستطيع أن تتحول إلى مشروع وطني عندما يقودها من يمتلك رؤية، لا من يتعامل معها كحصة سياسية.

وتقدم التجارب العالمية دروسًا واضحة في هذا المجال. فاليابان جعلت التعليم أساس نهضتها بعد الحرب، وكوريا الجنوبية استثمرت في الإنسان قبل الاقتصاد، وفنلندا رسخت نموذجًا تعليميًا يقوم على احترام المعلم واستقلالية القرار التربوي، بعيدًا عن التقلبات السياسية.

أما في لبنان، فما زال السؤال الجوهري معلقًا: هل تُدار وزارة التربية بمنطق الدولة أم بمنطق التسويات؟

إن لبنان لا يفتقر إلى المعلمين الأكفاء، ولا إلى الطلاب الموهوبين، ولا إلى القدرات البشرية. ما يفتقر إليه هو قرار وطني يعيد للتربية موقعها الطبيعي، ويجعل الكفاءة معيارًا، والرؤية أساسًا، والاستمرارية قاعدة لا استثناء.

ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي يبدأ بإخراج وزارة التربية من منطق المحاصصة، واعتماد معايير واضحة لاختيار الوزير على أساس الخبرة والرؤية، وتثبيت سياسة تعليمية تمتد عبر الحكومات، لا عبر الولايات السياسية.

فوزارة التربية ليست جائزة سياسية، ولا مكسبًا انتخابيًا، ولا بندًا في تسوية حكومية. إنها الوزارة التي تُرسم فيها ملامح لبنان القادم، لأن من يجلس اليوم على مقاعد الدراسة سيجلس غدًا في مواقع القرار والإنتاج والمعرفة.

إن بناء الدولة لا يبدأ من القوانين وحدها، بل من الصفوف الدراسية. ولا يبدأ من توزيع الحقائب، بل من اختيار من يصنع الإنسان.

وعندما يصبح السؤال في لبنان: من هو الأجدر بتربية أجيال الوطن؟ بدلًا من: لمن ستكون وزارة التربية؟ يكون البلد قد بدأ فعليًا بالخروج من دائرة المحاصصة إلى فضاء الدولة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.