: آخر تحديث

ماذا بقي للعالم ليفعله للبنان؟

4
5
3

 

السؤال الذي يجب طرحه اليوم، بلا مواربة أو تنميق، هو الآتي: ماذا بقي للعالم ليفعله للبنان إذا كان اللبنانيون أنفسهم يرفضون أن ينفّذوا ما يتوجب عليهم لإنقاذ ما تبقّى من جمهوريتهم؟

ليست المشكلة أن الخارج لا يملك حلولاً وأفكاراً، ولا أن واشنطن أو غيرها عاجزة عن إرساء مسار تفاوضي، بل إن المشكلة تكمن في أن الطبقة اللبنانية، بذهنيتها السياسية اللبنانية الواسعة النطاق، تتعامل مع كل حل وكأنه مؤامرة، ومع كل فرصة وكأنها فخ، ومع كل قرار سيادي وكأنه عبء يجب التهرب منه.

حاولت واشنطن أن تفتح باباً جدياً، وأن تنظّم مساراً تفاوضياً يسمح للبنان بأن يستعيد مكانته لاعباً لا ساحة تُستباح، وبأن يجلس إلى طاولة المفاوضات ويفاوض عن نفسه، لا أن يُطبخ مصيره خارجاً نيابة عنه. لكن اللبنانيين، كالعادة، انخرطوا في هذا المسار على غرار مقولة "إجر قدام وإجر ورا". إنهم يريدون من العالم إنهاء الحرب، لكنهم يرفضون دفع ثمن وقف القتال سياسياً وسيادياً؛ يطالبون بانسحاب إسرائيل، لكنهم لا يريدون معالجة السبب الذي تستخدمه إسرائيل للبقاء في لبنان واستمرار ضرباتها العسكرية، وهو سلاح حزب الله واحتكار هذا الأخير قرار الحرب والسلم. يرغبون في أن يحمي الجيش جنوب لبنان، لكنهم يخافون من أن يقوم الجيش فعلاً بدوره، إذ يصرّحون على الفور بأن الجيش إذا تحرك في هذا الصدد قد ينشق. يطالبون بسيادة الدولة، لكنهم يخافون من أدواتها. يطمحون إلى تحقيق السيادة، لكنهم يتهربون من تطبيقها فعلياً.

عندما طُلب إليهم تسهيل مهمة الجيش اللبناني لينفّذ دوره بالكامل، وليكون هو الضامن الوحيد للأمن على الحدود، ولتكون الدولة هي صاحبة القرار في الجنوب كما في كل لبنان، كان الجواب: إذا دفعنا الجيش نحو مواجهة الأمر الواقع، قد ينقسم الجيش. وهذه حجة تكشف عمق المأساة لا عمق الحوكمة، لأن الجيش الذي لا يستطيع أن يطبّق قرار الدولة على أرضها يتحوّل، عملياً، من مؤسسة سيادية إلى شاهد على خرق السيادة وانهيارها. لا أحد يطلب من الجيش أن يدخل حرباً أهلية، ولا أحد يريد دفع المؤسسة العسكرية نحو الانتحار، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الحكمة وبين تحويل الخوف إلى عقيدة حكم.

ثم قيل لهم: حسناً، إذا كانت المشكلة مع إسرائيل هي استمرار الاحتلال والضربات والحدود والأمن، فافتحوا باب التفاوض المباشر، لأن الدول لا تستعيد حقوقها بالشعارات، بل بالمفاوضات المعمقة. فجاء الجواب أيضاً مغلفاً بالخوف والارتباك: لا نريد كلاماً مباشراً مع الإسرائيليين. كأن التفاوض المباشر خيانة، بينما ترك لبنان تحت النار ليس خيانة. كأن الجلوس إلى طاولة مفاوضات أخطر من إبقاء الجنوب مسرحاً مفتوحاً للدمار. وكأن الحل الدبلوماسي مع العدو، بهدف إخراجه من أرضك، أسوأ من انتظار الإيراني ليتفاوض عنك، أو أن يقرر الأميركي والإسرائيلي بمفردهما مصيرك.

ثم قيل لهم، بصراحة فجّة: إذا كنتم لا تريدون أن تتفاوضوا، ولا تريدون أن ينفّذ الجيش مهامه، فهل تتركون إسرائيل تتولى هذا الدور العسكري ضد حزب الله؟ هنا أيضاً يأتي الجواب اللبناني المعتاد: لا، الإسرائيليون يقتلون المدنيين، ويجب إيقافهم. وهذا صحيح من حيث المنظور الإنساني والوطني، فلا أحد عاقل يريد أن تتحول إسرائيل إلى وصي أمني على لبنان، ولا أحد يقبل أن يُقتل اللبنانيون بحجة ضرب حزب الله. لكن السؤال الذي يتهرّب منه الجميع هو: من يضع حداً لهذه الحلقة المفرغة؟ إذا كانت الدولة لا تريد أن تتفاوض، ولا تريد أن تبسط سيادتها بالقوة، ولا تريد أن تنزع الذريعة العسكرية للحرب، ولا تريد أن تصطدم بسلاح حزب الله، فمن أين يأتي الحل؟

هنا يبدأ العبث الحقيقي. بعد أن يرفض اللبنانيون كل الأبواب، يعلو أحد الأصوات ليفيدنا بأنه لعل السوريين يستطيعون أن يفعلوا شيئاً. أي إن لبنان، بعد كل ما دفعه من أثمان بسبب الوصاية السورية، وبعد كل ما تعلمه اللبنانيون من تجربة الاحتلال والنفوذ الأمني والاغتيالات والإذلال، يعود بعضهم ليفكر في استدعاء السوري، لا حباً بسوريا ولا احتراماً لدورها، بل هرباً من القرار اللبناني نفسه. هذه ليست سياسة، بل اعتراف جماعي بالعجز. أن نطلب من السوري أن يقوم بما لا نريد نحن أن نقوم به هو إعلان وفاة السيادة، لا خطة إنقاذ.

المشكلة ليست فقط في حزب الله، رغم خطورة سلاحه وارتباطه بالمشروع الإيراني. المشكلة أيضاً في المنظومة التي اعتادت أن تبرر إخفاقاتها بالحجج، وأن تبيع المجتمع الدولي خطاباً مزدوجاً: ساعدونا، لكن لا تطلبوا منا أن نتغير؛ أنقذونا، لكن لا تمسّوا توازناتنا الداخلية؛ أوقفوا الحرب، لكن لا تسألونا من يملك قرار الحرب؛ أعيدوا إعمار البلد، لكن لا تطلبوا منا أن نقتلع السبب الكامن وراء هذا الدمار. وعليه، لم يعد السؤال ماذا يستطيع العالم أن يفعل للبنان، بل ماذا يستطيع لبنان أن يفعل لنفسه قبل أن يتوقف العالم عن محاولة انتشاله من الحضيض.

الزخم الذي صُنع في واشنطن من خلال المحادثات المباشرة ليس تفصيلاً عابراً. إنه ربما آخر فرصة كي يثبت لبنان أنه لا يزال قادراً على تمثيل نفسه في المفاوضات، من دون وصاية إيران أو وساطة من لا يريد له إلا أن يبقى ورقة في بازار إقليمي. إذا خسر اللبنانيون هذا الزخم، فلن يعاقبهم العالم بالمجابهة، بل بشيء أخطر بكثير: التجاهل. سيصبح لبنان معزولاً، لا لأنه صغير المساحة، بل لأنه يرفض أن يتفرد بحل قضيته. وعندما ينعزل أي بلد، لا أحد يكترث لشؤونه، بل يتخذ عنه الآخرون القرارات التي تخدم مصلحتهم، ويتجاوزون ما لا ينفعهم.

أما جوزف عون، فهو اليوم أمام امتحان تاريخي لا يشبه أي امتحان سابق. إما أن يكون الرئيس الذي أدرك أن الجمهورية لا تُصان بالخوف، وأن الجيش لا يُحمى بتحويله إلى سبب للشلل، وأن التفاوض لا يكون عاراً عندما يكون هدفه استعادة القرار الوطني؛ وإما أن يدخل التاريخ بوصفه عوناً ثانياً، رئيساً آخر منحته اللحظة فرصة إنقاذ الجمهورية فبدّدها، وترك البلد ينتقل من العجز إلى الارتهان، ومن الارتهان إلى الزوال السياسي.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة. يحتاج إلى قرار. يحتاج إلى سلطة تعلن أن الحرب والسلم ليسا ملكاً لحزب، وأن الجنوب ليس منصة إيرانية، وأن التفاوض ليس استسلاماً، وأن الجيش ليس ديكوراً، وأن العالم لا يستطيع أن ينقذ شعباً يصر قادته على رفض كل أدوات الإنقاذ. وما لم يلتقط اللبنانيون هذه اللحظة، فإن السؤال لن يبقى: ماذا يمكن أن يفعل العالم للبنان؟ بل سيصبح: لماذا يجب أن يفعل العالم شيئاً لبلد لا يريد أن يفعل شيئاً لنفسه؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.