: آخر تحديث

الصحفيون إخوان الشياطين

1
1
1

هكذا كانوا يصفوننا أحيانًا، وهكذا كان ينظر إلينا كثيرون في الأزمنة التي كان فيها الجهل أكثر نفوذًا من المعرفة، والخرافة أكثر حضورًا من العقل، والصوت المرتفع أكثر تأثيرًا من الحقيقة. لم يكن الصحفي في نظر تلك البيئات باحثًا عن الوقائع، ولا شاهدًا على العصر، ولا ناقلًا لأحداث الناس وآلامهم، بل كان شخصًا مزعجًا يتدخل فيما لا يعنيه، ويطرح أسئلة لا يريد أحد سماعها، ويفتح أبوابًا يفضل الجميع إبقاءها مغلقة!

قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين انتسبنا إلى هذه المهنة واخترنا هذه المهمة، لم نكن ندرك أننا ندخل واحدة من أخطر المهن في المجتمعات المتخلفة. لم تكن الخطورة دائمًا في الحروب أو السجون أو الرصاص، بل في البيئة الاجتماعية نفسها. فالمجتمع الذي لا يحترم السؤال ينظر إلى السائل باعتباره عدوًا، والمجتمع الذي يقدس الشائعة يكره من يدقق فيها، والمجتمع الذي يعيش على الروايات الجاهزة يخشى من يطلب الدليل.

كان الإرهابي يرى الصحفي خصمًا مباشرًا لأنه يهدد أهم أسلحته: الرواية. فالتنظيم المتطرف يستطيع أن يقتل إنسانًا، لكنه يعجز عن قتل الحقيقة إذا وجدت من يوثقها. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصبح الصحفي هدفًا للخطف أو التهديد أو الاغتيال في مناطق الصراع. فالكاميرا بالنسبة إلى الإرهابي أخطر من البندقية، والصورة أخطر من الرصاصة، والشاهد أخطر من العدو نفسه!

أما المتخلف، فقد كان يخوض حربه الخاصة ضد الصحافة. حربًا لا تستخدم المتفجرات بل الاتهامات. لا تعتمد على السلاح بل على التشويه والسخرية والنبذ الاجتماعي. كان كثيرون يعتقدون أن الصحفي شخص يبحث عن المتاعب بإرادته، بينما الحقيقة أنه كان يطارد الحقيقة في أماكن يهرب منها الآخرون.

لقد عشنا سنوات طويلة ندفع ثمن مهنة لا يفهمها كثيرون. فإذا نقلت حقيقة أزعجت طرفًا اتهمك بالعمالة. وإذا كشفت فسادًا اتهمك بالحقد. وإذا نقلت رأيًا مخالفًا اتهمك بالخيانة. وكأن المطلوب من الصحفي أن يكون مرآة تعكس ما يريد الناس رؤيته، لا ما هو موجود فعلًا.

لكن الخطر الأكبر الذي واجه المهنة لم يكن دائمًا خارجها، بل من داخلها أيضًا.

فكما تسلل الانتهازيون إلى السياسة والدين والتجارة، تسلل بعض الأدعياء إلى الصحافة. أشخاص لم يحملوا من المهنة سوى بطاقاتها، ولم يحملوا من رسالتها شيئًا. حولوا الصحافة من رسالة معرفة إلى تجارة نفوذ، ومن بحث عن الحقيقة إلى بحث عن الشهرة، ومن خدمة المجتمع إلى خدمة المصالح الشخصية.

هؤلاء كانوا كارثة مزدوجة. فمن جهة أساؤوا إلى المهنة، ومن جهة أخرى قدموا للجاهلين والمتطرفين الأدلة التي يبحثون عنها للطعن في الصحافة كلها. فحين يرى الناس صحفيًا يبتز أو يكذب أو يبيع مواقفه، فإنهم لا يفرقون بينه وبين آلاف المهنيين الشرفاء الذين أفنوا أعمارهم في الميدان.

لقد أضر الأدعياء بالصحافة أكثر مما أضر بها كثير من خصومها. لأن العدو الخارجي معروف، أما المتسلق الذي يرتدي ثوب الصحفي فهو يطعن المهنة من داخلها. وحين يختلط الصحفي الحقيقي بالمدعي، تضيع الحدود في أعين الناس، ويصبح الجميع موضع شك.

ومع ذلك، بقيت الصحافة الحقيقية واحدة من أنبل المهن وأكثرها تضحية. فالصحفي الحقيقي لا يبيع سلعة ملموسة، بل يدافع عن حق المجتمع في المعرفة. ولا يبني جسرًا من الخرسانة، بل يبني جسورًا بين الحقيقة والرأي العام. ولا يحمل السلاح، لكنه كثيرًا ما يقف في مرمى النيران.

ولعل أعظم مفارقات هذه المهنة أن أصحابها غالبًا ما يدفعون ثمن نجاحهم. فإذا نجحوا في كشف الحقيقة غضب أصحاب المصالح. وإذا نجحوا في نقل الواقع كما هو غضب أصحاب الأوهام. وإذا نجحوا في أداء رسالتهم أصبحوا أعداء لكل من يستفيد من الظلام.

لهذا لم يكن وصف "إخوان الشياطين" سوى انعكاس لطريقة تفكير خصوم الصحافة. ففي عالم الجهل يصبح العقل شيطانًا، وفي عالم التطرف تصبح الحقيقة جريمة، وفي عالم الخداع يصبح الشاهد عدوًا. وكلما ازداد الصحفي اقترابًا من الحقيقة ازداد اقترابًا من قائمة أعدائهم.

أما الحقيقة التي تعلمناها بعد عقود طويلة من العمل، فهي أن الصحفي لم يكن يومًا أخًا للشياطين، بل كان خصمًا لها. ولهذا بالذات حاولت الشياطين الحقيقية، شياطين الجهل والتطرف والكذب والفساد، أن تصوره للناس على أنه واحد منها.

إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تفتقر إلى الثروات أو القوة، بل أن تفقد احترامها لمن يبحث عن الحقيقة. فالأمم التي تهاجم صحفييها الشرفاء تكافئ الكذابين دون أن تشعر، وتفتح الأبواب للمتطرفين والفاسدين كي يكتبوا روايتهم الخاصة للتاريخ. وعندها لا تصبح المشكلة في غياب الحقيقة، بل في غياب من يجرؤ على قولها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.