: آخر تحديث

لماذا لا نثير الجدل

2
0
2

منذ أن عرف الإنسان التفكير وهو يختلف. يختلف في فهم الدين، وفي قراءة التاريخ، وفي تفسير الأخلاق، وفي تصور السياسة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. هذا الاختلاف جزء من طبيعة المجتمعات، فالعقول تتفاوت كما تتفاوت الخبرات، والناس ينظرون إلى العالم من زوايا متعددة، ويحمل كل واحد منهم تجربة تصوغ رؤيته للحياة.

ومع ذلك، ما إن يخرج شخص عن الرأي الشائع حتى تبدأ رحلة التصنيفات. لا تُفتح دفاتر الحجج، ولا تُفحص الأدلة، ولا يُسأل عن منطقه، ولكن تُرفع في وجهه عبارة جاهزة: "أنت مثير للجدل". هذه العبارة تبدو في ظاهرها وصفًا محايدًا، غير أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة للهروب من مناقشة الفكرة ذاتها، فبدلًا من فحص الرأي، يجري تحويل النقاش إلى صاحبه، وبدلًا من سؤال، هل الفكرة صحيحة أم خاطئة؟ يصبح السؤال، لماذا قالها؟ وما الذي يريده من وراء ذلك؟

في عدد من المجتمعات التي تصف نفسها بالمحافظة، يتحول الجدل إلى مرادف للإزعاج، ويتحول الاختلاف إلى مصدر ريبة، ويصبح الخروج عن المألوف فعلًا يستدعي التبرير. وكأن المجتمع منح نفسه حق تحديد الحدود التي يجب أن يقف عندها العقل، فإذا تجاوزها أحد عُدَّ خطرًا على الاستقرار الفكري، مع أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإغلاق أبواب الأسئلة، وإنما بقدرة المجتمع على التعامل معها. ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل، لماذا يخيفنا الجدل إلى هذه الدرجة؟ فالفكرة القوية تزداد وضوحًا كلما تعرضت للاختبار، والحجة المتماسكة تزداد قوة كلما واجهت الاعتراضات. أما الأفكار التي تعيش خلف الأسوار، فإنها تبقى مطمئنة ما دامت بعيدة عن النقاش، ثم تتكشف مواطن ضعفها عند أول مواجهة حقيقية.

المفارقة أن تاريخ البشرية يكاد يكون تاريخًا لأناس وُصفوا في زمانهم بأنهم مثيرو جدل. الفلاسفة أثاروا الجدل، والعلماء أثاروا الجدل، والمصلحون أثاروا الجدل، وكل فكرة أعادت النظر في المألوف أثارت اعتراضًا وغضبًا. ذلك لا يمنح العصمة لكل مختلف، ولا يجعل كل رأي جديد صحيحًا، غير أن الحقيقة نفسها استفادت عبر التاريخ من أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال أكثر مما استفادت من أولئك الذين اكتفوا بحراسة الإجابات القديمة. إن ما يعجبك قد لا يعجب غيرك، وما تراه مناسبًا قد يراه آخر غير ملائم لتجربته أو فهمه أو ظروفه. الحياة أوسع من ذوق واحد، وأكبر من تفسير واحد، وأغنى من أن تُختزل في رؤية جماعة واحدة مهما بلغ عدد أفرادها. واختلاف الناس ليس أزمة تبحث عن حل، وإنما حقيقة إنسانية رافقت البشرية منذ بدايتها.

ومن هنا تبدأ المشكلة حين يتحول الرأي الشخصي إلى وصاية، وحين يظن الإنسان أن قناعته الخاصة يجب أن تصبح معيارًا عامًا للجميع. عندها يُنظر إلى الرأي المخالف باعتباره تهديدًا، ويُعامل السؤال بوصفه استفزازًا، ويُتهم التفكير بالخروج عن الصف. وما أكثر الذين يدافعون عن حرية التعبير عندما توافقهم، ثم يضيقون بها عندما تأخذهم إلى نتائج لا تعجبهم.

لهذا فإن تهمة "مثير للجدل" تكشف أحيانًا عن قلق المجتمع أكثر مما تكشف عن طبيعة الفكرة. فالمجتمعات الواثقة من نفسها تدخل في حوار مع الرأي المخالف، وتختبره، وترد عليه إن أخطأ، وتستفيد منه إن أصاب. أما المجتمعات القلقة فتبحث عن أسرع طريق لعزل الفكرة عبر عزل صاحبها، وكأن إبعاد المتحدث كفيل بإلغاء السؤال.

والحقيقة أن الجدل في جوهره احتكاك بين الأفكار، ومن ذلك الاحتكاك تتولد المراجعات، وتتسع المعرفة، وتنكشف الأخطاء، وتظهر مساحات جديدة للفهم. أما المجتمعات التي تفضل الهدوء الفكري المطلق فإنها تدفع ثمنًا باهظًا لذلك الهدوء، إذ يتحول الاتفاق إلى عادة، وتتحول العادة إلى سلطة، وتتحول السلطة إلى حاجز يقف بين الإنسان وبين حقه الطبيعي في التفكير.

لهذا، هيا بنا نثير الجدل. هيا بنا نراجع الأفكار التي لم يقترب منها أحد، ونناقش المسلمات التي اكتسبت حصانتها من طول بقائها لا من قوة أدلتها، ونفتح الأبواب أمام الأسئلة التي جرى تأجيلها سنوات طويلة. فالمشكلة لا تكمن في الجدل، وإنما في الخوف منه، ولا تكمن في السؤال، وإنما في الرغبة في منعه. فكل تقدم عرفته البشرية بدأ بسؤال، وكل مراجعة عظيمة بدأت بشك، وكل قفزة فكرية بدأت برأي أغضب كثيرين قبل أن يقنعهم. وحين يتحرر العقل من الخوف، يصبح الجدل طريقًا إلى فهم أوسع للإنسان والحياة والعالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.