يصعب العثور على دولة في العالم جمعت خلال عقدين من الزمن ما جمعه العراق من ثروة نفطية، وفي الوقت نفسه ما زال مواطنوها يبحثون عن خدمات أساسية كان يفترض أن تصبح من بديهيات الحياة اليومية منذ سنوات طويلة.
فمنذ عام 2003 تدفقت إلى العراق عائدات نفطية تجاوزت، وفق تقديرات مختلفة، 1.3 تريليون دولار، وقد تقترب من 1.5 تريليون دولار. وخلال هذه الفترة أُقرت موازنات قياسية وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، ما وفر للدولة موارد مالية كان يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في البنية التحتية والخدمات العامة.
ومع ذلك، لا يزال ملف الكهرباء يمثل أزمة مزمنة، وما زالت آلاف المشاريع متعثرة أو غير مكتملة، فيما تتكرر ملفات الفساد والهدر المالي عاماً بعد آخر. وبين ثروة هائلة من جهة وخدمات متواضعة من جهة أخرى، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين ذهبت كل هذه الأموال؟
في عام 2023 بلغت الموازنة العراقية نحو 198.9 تريليون دينار، أي ما يقارب 152 مليار دولار، لتكون الأكبر في تاريخ البلاد. كما تجاوزت الإيرادات النفطية خلال عام 2022 حاجز 115 مليار دولار. لكن هذه الأرقام لا تروي قصة تنمية بقدر ما تروي قصة فرص ضائعة.
لقد قدّر مسؤولون وخبراء حجم الأموال التي تعرضت للهدر أو الفساد أو التهريب منذ عام 2003 بنحو 150 مليار دولار. ولتقريب حجم الرقم فقط، فإن هذا المبلغ يوازي تقريباً موازنة العراق السنوية الحالية كاملة.
وفي قطاع الكهرباء وحده، أُنفقت منذ عام 2003 أكثر من 80 مليار دولار بحسب تقديرات رسمية وبرلمانية متعددة. ومع ذلك ما زال ملايين العراقيين يعتمدون على المولدات الأهلية لسد النقص في ساعات التجهيز، فيما يستورد العراق جزءاً مهماً من احتياجاته من الطاقة والغاز.
ولو قُسم هذا الإنفاق على عدد سكان العراق البالغ نحو 46 مليون نسمة، فإن حصة كل مواطن تتجاوز 1700 دولار، ومع ذلك ما زال المواطن يدفع فاتورتين للكهرباء؛ واحدة للحكومة وأخرى للمولدات الأهلية.
ثم جاءت قضية "سرقة القرن" لتكشف جانباً آخر من النزيف المالي. ففي عام 2022 أعلنت السلطات اختفاء نحو 3.7 تريليون دينار من الأمانات الضريبية، أي ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، عبر 247 صكاً مصرفياً. وقد ارتبطت القضية باسم نور زهير وأصبحت رمزاً لأحد أكبر ملفات الفساد المالي في تاريخ العراق الحديث.
كما كشفت التحقيقات قبل أيام في قضية وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي عن ضبط عشرات المليارات من الدنانير وملايين الدولارات وعقارات وممتلكات أخرى، ما أعاد إلى الواجهة الأسئلة ذاتها حول فعالية الرقابة وآليات حماية المال العام.
لكن القضايا التي تصل إلى وسائل الإعلام والمحاكم لا تمثل سوى جزء من المشكلة. فخلال السنوات الماضية تحدثت تقارير رسمية ورقابية عن مئات المشاريع المتلكئة أو الوهمية التي استنزفت مليارات الدنانير دون أن يرى المواطن نتائجها على أرض الواقع. كما أُبرمت آلاف العقود الحكومية، بينما بقيت المساءلة والمحاسبة غائبتين في كثير من الحالات.
وهنا يبرز سؤال آخر: أين كانت الجهات الرقابية؟ وأين كانت هيئات النزاهة واللجان البرلمانية المختصة عندما كانت الأموال تُهدر والمشاريع تتعثر والعقود تُبرم؟ فاستمرار المشكلة بهذا الحجم لا يشير إلى فساد أفراد فحسب، بل إلى خلل أعمق في منظومة الإدارة والرقابة والمساءلة.
ولعل ما يجعل هذه الأرقام أكثر إيلاماً أن العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من سوء إدارتها. فعلى الرغم من الثروة النفطية الهائلة، ما زالت معدلات الفقر والبطالة تمثل تحدياً حقيقياً في العديد من المحافظات، فيما تستمر الفجوة بين حجم الإيرادات ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بعيداً عن نظام المحاصصة السياسية الذي حكم إدارة الدولة بعد عام 2003. فقد تحولت وزارات ومؤسسات عديدة إلى ساحات نفوذ تتقاسمها الأحزاب والقوى السياسية، الأمر الذي جعل الولاءات الحزبية تتقدم في أحيان كثيرة على معايير الكفاءة والمصلحة العامة.
ومع تعدد مراكز القرار وتداخل المصالح، أصبح من الصعب تحديد المسؤولية عند وقوع الإخفاقات أو ظهور ملفات الفساد. وهكذا تحولت الموازنات الضخمة إلى ساحة للتنافس السياسي أكثر من كونها أداة للتنمية.
ففي الدول الحديثة تُقاس الحكومات بما تحققه من نتائج، لا بما تنفقه من أموال. أما في العراق، فقد تحولت الأرقام الكبيرة إلى إنجاز بحد ذاتها، حتى عندما لا يقابلها تحسن مماثل في الخدمات أو البنية التحتية.
لقد خسر العراق أموالاً هائلة، لكن الخسارة الأكبر كانت في الوقت. فكل مشروع متعثر يعني فرص عمل ضائعة، وكل عقد فاشل يعني خدمة لم تصل إلى المواطنين، وكل عام يمر دون إصلاح حقيقي يعني مزيداً من التأخر عن ركب التنمية.
فالثروات لا تصنع الدول وحدها، بل تصنعها الإدارة الرشيدة والمؤسسات القادرة على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة. وبعد أكثر من عشرين عاماً، لا يزال العراقيون ينتظرون الإجابة التي لم تقدمها الأرقام ولا الحكومات:
1.3 تريليون دولار... أين ذهبت؟


