: آخر تحديث

الذكاء العاطفي في العمل: عندما تصنع المشاعر النجاح أو الفشل.. درس من قمرة القيادة

3
4
6

عبد الله سليمان الطليان

في عام 1978، كان الطيار «ميلبرن ماكبرون» يقترب بطائرته من مدينة بورتلاند الأمريكية. فجأة، لاحظ عطلاً في جهاز الهبوط. انشغل تماماً بمحاولة إصلاحه، لدرجة أنه نسي أن خزان الوقود يكاد يفرغ. أما مساعدوه الطيارون، فظلوا صامتين، مرعوبين من رد فعل غضبه لو تحدثوا. كانت النتيجة مأساوية: تحطمت الطائرة، ومات عشرة أشخاص.

هذه القصة لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل أصبحت درساً يُدرّس اليوم للطيارين في جميع أنحاء العالم. فقد أثبتت التحقيقات أن معظم حوادث الطائرات تقع بسبب أخطاء بشرية كان يمكن تجنبها لو عمل الفريق بتناغم أكبر، ولو سمحوا لأنفسهم بالتحدث والاستماع دون خوف.

إن قمرة القيادة ليست سوى نموذج مصغر لأي مكان عمل. فحيثما يوجد بشر، توجد مشاعر. وحيثما تسوء إدارة هذه المشاعر، تبدأ الكوارث -وإن لم تكن دائماً بفقدان الأرواح، فغالباً بفقدان الإنتاجية، والمواهب، وأحياناً الشركات بأكملها.

- عدو الإنتاجية الخفي

ليس كل نقص في الذكاء العاطفي يؤدي إلى تحطم طائرة. لكن آثاره تظهر بوضوح في المؤسسات:

- انخفاض الإنتاجية.

- تأخر مستمر في تسليم الأعمال.

- كثرة الأخطاء.

- حوادث مؤسفة في العمل.

- نزيف الموظفين وهجرتهم الجماعية إلى شركات أكثر انسجاماً.

الحقيقة التي لا جدال فيها هي: انخفاض مستوى الذكاء الاجتماعي يؤدي حتماً إلى أدنى مستويات الأداء. وعندما يستمر هذا التراجع، يصبح الإفلاس والانهيار مجرد مسألة وقت.

- عندما تتصادم الأدمغة والقلوب

لا تزال فكرة «الذكاء العاطفي» جديدة نسبياً في عالم الأعمال. وكثير من المديرين يواجهون صعوبة في تقبلها.

في دراسة شملت 250 مديراً تنفيذياً، اعترف معظمهم بأنهم يعتقدون أن عملهم يتطلب «أدمغتهم وليس قلوبهم». قال أحدهم بصراحة: «إن الاندماج العاطفي مع من نعمل معهم مجرد أمر مضحك، يستحيل معه التعامل مع الناس».

آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن التحفظ العاطفي هو الذي يمكنهم من اتخاذ القرارات «الصعبة» المطلوبة في العمل.

لكن الحقيقة أن هذه المواقف أصبحت بالية. لقد تغير الزمن. ففي سبعينيات القرن الماضي، كان رئيس العمل القاسي المتسلط هو الذي يُكافأ. أما اليوم، فالمكافأة من نصيب القائد الماهر في بناء العلاقات الإنسانية.

كما تقول الدكتورة «شوشونا زوبوف» من جامعة هارفارد: «لقد انهار النظام الهرمي الجامد تحت ضغوط العولمة وتكنولوجيا المعلومات. الرئيس الناجح اليوم ليس الشرس، بل ماهر العلاقات الشخصية».

- التوتر يجعلنا أغبياء

تخيل معي مجموعة من العمال لا يستطيع أحدهم التعبير عن غضبه، ولا فهم مشاعر زملائه، والجميع يعيش في حالة توتر دائم. كيف سيكون إنتاجهم؟

العلم يجيب بكل وضوح: الإنسان المتوتر لا يستطيع التذكر جيداً، ولا الانكباب على العمل، ولا التعلم، ولا اتخاذ قرارات سليمة.

أحد الاستشاريين الإداريين لخص الأمر بعبارة لا تحتاج إلى تفسير: «الضغط العصبي يجعل الناس أغبياء».

لكن الخبر السار أن هناك جانباً مضيئاً: عندما نكون ماهرين في فهم مشاعر الآخرين، وحل الخلافات قبل أن تتصاعد، والوصول إلى حالة «التدفق العاطفي» في العمل، فإن الإنتاجية ترتفع بشكل مذهل.

القيادة الحقيقية، إذاً، ليست في السيطرة على الناس، بل في تحفيزهم للعمل معاً نحو هدف مشترك.

- النقد.. السلاح ذو الحدين

من أبرز تطبيقات الذكاء الاجتماعي في العمل هو «النقد البنّاء». لكن للأسف، كثير من المديرين لا يتقنون هذا الفن.

قصة واقعية: مدير مشروع تقني عرض نتائج عمله مع فريقه على نائب الرئيس بعد شهور من الجهد المتواصل. بدلاً من التقدير، قال له نائب الرئيس بسخرية:

«متى تخرجت من الجامعة؟ هذه المواصفات مضحكة! لن أوافق عليها أبداً».

النتيجة؟ تحطمت معنويات فريق العمل بأكمله. شعر المهندس بالاكتئاب، وفكر في ترك الشركة التي كان يحبها. وبقي أسبوعين يعاني من جرح نائب الرئيس.

لاحقاً، عندما تحدث إليه المهندس باحترام وهدوء وسأله: «افترض أنك لم تقصد مجرد إحراجي، فهل كان لديك أهداف أخرى؟»، اندهش نائب الرئيس. لم يكن يتخيل أن كلماته العفوية -حسب ظنه- قد دمرت معنويات فريق بأكمله. واعترف بأن التقرير كان في الحقيقة مشروعاً مبشراً، لكنه يحتاج إلى مزيد من الجهد فقط. جاء الاعتذار، لكنه كان متأخراً.

- التغذية المرتدة.. دم الحياة للمؤسسات

في علم الإدارة، «التغذية المرتدة» (Feedback) هي المعلومات التي تبقى جهود الموظفين على الطريق الصحيح. فكما يؤثر جزء من منظومة العمل في بقية الأجزاء، يمكن للتغذية المرتدة أن تصحح المسار قبل فوات الأوان.

بدون هذه التغذية، يصبح العاملون كمن يتخبط في الظلام، لا يعرفون رأي رؤسائهم ولا زملائهم، ولا يتوقعون ما المطلوب منهم. ومع الوقت، تتفاقم المشاكل.

لذا، فإن النقد -بمعنى من المعاني- هو أهم مسؤوليات المدير. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تنتقد دون أن تجرح؟

- فن النقد الذكي

إذا كنت مديراً أو قائداً، تذكر هذه القواعد البسيطة:

1 - انقد العمل، وليس الشخص: قل «هذا التقرير يحتاج إلى مراجعة» لا «أنت مهمل».

2 - اختر الوقت والمكان المناسبين: لا تنقد أحداً أمام زملائه.

3 - ابدأ بإيجابية: اذكر شيئاً جيداً أولاً.

4 - كن محدداً: «التوقيت في هذا القسم غير دقيق» أفضل من «عملك سيء».

5 - اقترح حلاً: لا تكتف بذكر المشكلة.

6 - استمع: النقد حوار، ليس محاكمة.

وإذا كنت متلقياً للنقد:

- استمع حتى النهاية.

- تذكر أن النقد ليس بالضرورة هجوماً.

- اشكر الناقد على ملاحظته.

- خذ وقتك للتفكير قبل الرد.

- حاول استخلاص الفائدة، حتى لو كان الأسلوب قاسياً.

- الفرق بين شركة تنهض وأخرى تسقط

الذكاء العاطفي في العمل ليس ترفاً فكرياً، ولا موضة عابرة. إنه حجر الزاوية لثقافة مؤسسية سليمة.

إنه الفرق بين:

- شركة ناجحة وأخرى مفلسة.

- فريق متعاون وآخر متخاصم.

- مدير يُحتذى به وآخر يُرهب منه.

- موظفون شغوفون وآخرون ينتظرون نهاية اليوم.

تعلم أن تتحكم في مشاعرك. تعلم أن تفهم مشاعر الآخرين. تعلم أن تنتقد وتُنتقد بطريقة بناءة.

هذه المهارات ليست مجرد أدوات لتحسين العمل، بل هي أدوات لتصبح إنساناً أفضل.

**هذا مقتطف من كتاب (الذكاء العاطفي) للدكتور من جامعة هارفارد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد