: آخر تحديث

فلسفة «الإنسان الكامل».. والعِصمة الدينية

4
2
2

 يظل الإنسان متطلِّباً الكمال، مع أنه بطبيعته البشرية يمارس الخطأ والصواب، حتى قيل إنه خطّاءٌ، يحصل هذا خارج التنظير الفلسفي أو الديني، أي في الحياة العامة، حتى فُلسف هذا الهاجس، فظهر مفهوم «الإنسان الكامل»، وعُبِّر عنه أنه الكون ذاته، والكمال من كمال الخالق، وبهذا ليس المصطلح مجرد تصوُّر أخلاقي للكمال البشري، بل مشروعٌ معرفيٌّ فلسفيٌّ. ظهر في الفلسفة اليونانية، في صورة الفيلسوف كما هو الحال في «جمهورية أفلاطون»، وظهر في المدينة الفاضلة للفارابي، ورسائل «إخوان الصفا»، وغيرها من الكتب التي تناولت نظام الحكم الأمثل، لم يكن هذا الفيلسوف معصوماً من الخطأ، لكنه بلغ من الحكمة ما يؤهِّله لقيادة الآخرين.

وترى كماله عند أرسطو طاليس ثمرةً للعقل والفضيلة، لا هبةً فوق بشرية. وهكذا بقي الإنسان الكامل في الفلسفة كائناً يجاهد لبلوغ الحكمة، مع بقاء احتمالات الخطأ قائمة. اتخذ مفهوم الإنسان الكامل عند المتصوفة، مرآةً للأسماء الإلهية، ومظهراً لأعلى درجات المعرفة الروحية.

هنا لم يَعُد الكمال مجرد تفوّق أخلاقي أو عقلي، بل أصبح مقاماً وجودياً يجمع بين العالم الإلهي والعالم الإنساني. ومع ذلك ظل هذا الكمال عند الصوفية مرتبطاً بالتجربة الروحية، لا بالتشريع أو السُّلطة الدينية. يبرز عند هذه النقطة مفهوم العصمة الدينية.

فالعصمة، في معناها العقائدي، تعني العصمة من الخطأ فيما يتعلق بالتبليغ الإلهي، أو الهداية الدينية، التي تختلف عن الكمال الفلسفي، لأن مصدرها ليس الاجتهاد الإنساني، بل العناية الإلهية. لذلك فإن الفيلسوف الكامل قد يُخطئ في استنتاجه، أما المعصوم، بحسب الاعتقاد الديني، فلا يُخطئ في أداء المهمة التي أوكلت إليه؛ فهو مطبوع على الكمال، وما يُسمى عند الشيعة الإمامية بالعصمة، وهي مقتصرة على الأئمة الاثني عشر، أي مركز الإمامة، يضاف إليهم السيدة فاطمة الزهراء، وفي المقدمة تأتي العصمة النبوية، وهنا يكون الحكم بيد المعصوم الكامل، بخلاف فكرة الحاكم الفيلسوف، الذي يكون كاملاً بما هو أقل من العصمة.

وبهذا يكون التاريخ الفكري قد شهد تداخلاً بين المفهومين، الكمال مع العصمة والكمال دون العصمة. فبعض الاتجاهات رفعت شخصيات دينية إلى مستوى يقترب من النموذج الفلسفي للكمال، كما الحال عند أقطاب الصوفية، بينما حاولت اتجاهات أخرى تفسير العصمة باعتبارها ذروةً أخلاقية يمكن الاقتداء بها، وليست العصمة المطلقة، كما هو الحال في المعصومية الشيعية المعروفة.

لا ندري إذا ترك الداعون إلى حكم الفيلسوف تقديس الفيلسوف الحاكم، وبالتالي عدم مراجعته، ففي العصمة الدينية، أو الكمال المُطلق المكتسب من الله، تُعدم المراجعة أو الاعتراض على أقواله أو أفعاله، وفي كل الأحوال، كلما اتسعت دائرة الكمال المنسوب إلى الفرد، تقلّصت مساحة النقد والاعتراض. لقد أدرك مفكرو الإسلام الأوائل خطورة الخلط بين المثال البشري والمُطلق الإلهي. فالبشر، مهما علت منزلتهم، يظلون جزءاً من التاريخ، بينما يبقى المطلق خارج التاريخ. لهذا نجد أن كثيراً من المناقشات دارت حول حدود القداسة الدينية وحدود العقل الإنساني.

إن الفرق الجوهري بين الإنسان الكامل الفلسفي والمعصوم الديني الأول، يستمد شرعيته ومكانته من المعرفة والفضيلة والتجربة الإنسانية، أما الثاني فيستمدها من النص والعقيدة الدينية، وبين هذين التصورين سعت المجتمعات إلى الموازنة بين الحاجة إلى المثال الأعلى، والحفاظ على الطبيعة الإنسانية التي لا تنفكُّ عن النقص والاجتهاد. تبدو من الناحية التاريخية أن فكرة (الإنسان الكامل) بدأت فلسفيةً، ثم دخلت في المجال الديني، واتخذت طابع التقديس، حيث الكمال المُطلق الإلهي، بينما فكرة الكمال الفلسفية ترتبط بالتربية البشرية، بإعداد الفيلسوف الحاكم لهذه المهمة.

*كاتب عراقي     


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد