: آخر تحديث

استمع ستارمر... وأطاع

3
4
5

كما بات معلوماً، استقال كير ستارمر من رئاسة الحكومة البريطانية الاثنين الماضي. واقع حراك بريطانيا السياسي، يقول بوضوح إن سير ستارمر أُقيل عملياً بقرار اتخذته أغلبية ممثلي حزب العمال في مجلس العموم، مُنذ بدأت متاعبه السياسية في التدحرج كما كُرة الثلج، فأخذ الوثوق بصلاحيته للقيادة يتزعزع من سيئ إلى أسوأ بعدما اتضح أنه قرر تعيين لورد بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة، رغم سابق معرفته بعلاقة ماندلسون الوثيقة مع جيفري إبستين الذي أُدين بارتكاب جرائم جنسية بين ضحاياها فتياتٌ قُصّر. الواقع ذاته يقول أيضاً إن اتخاذ قرار الاستقالة أعمق من مجرد انصياع لرغبات أغلبية أعضاء «العمال»، ونظرائهم من بقية الأحزاب، في البرلمان؛ إذ اتضح من خلال استطلاعات رأي عِدة، وعبر برامج إذاعية وتلفازية تشارك فيها شرائح مختلفة من المجتمع البريطاني، أن ستارمر لم يعد يمتلك مساندة معظم المؤيدين لحزبه في مختلف أنحاء بريطانيا. باختصار، لقد سمع السير صوت الناس... فأطاع.

بالإضافة إلى ما تقدم، يبدو أن أمر استقالة ساكن المنزل الرقم 10 في «دواننغ ستريت»، الشهير عالمياً، لا يخلو من بُعدٍ عالمي أيضاً، والأرجح أنها ليست مجرد مصادفة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول من أبلغ العالم نبأ استقالة ستارمر مساء الأحد الماضي، في حين كانت كبريات وسائل الإعلام في بريطانيا ذاتها حذرة جداً، وتكتفي بتكرار الإشارة إلى توقع إعلانها صباح الاثنين. بالطبع، معروفٌ أن الوِد بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني المستقيل مفقود، تقريباً، رغم ابتسامات المجاملة أمام الكاميرات، أحياناً. هل القصد هنا، إذنْ، هو الإيحاء بوجود «مؤامرة» عالمية هدفها إطاحة ستارمر؟ كلا، بكل تأكيد. إنما في الآن ذاته، معروف أن متانة أو ضعف العلاقات الدولية لكل سياسي، تؤثر إيجابياً، أو سلبياً، على أسهمه داخل بلده. ويمكن في هذا السياق ضرب مَثل من واقع العلاقة بين نايجل فاراج، مؤسس وزعيم حزب «الإصلاح» البريطاني، والرئيس ترمب شخصياً، كونها تستمد متانتها من توافق النهج السياسي للرجلَين في جوانب عدة، لفهم مبرر مسارعة فاراج للمطالبة بانتخابات عامة فور إعلان ستارمر استقالته.

القول فيما سبق إن فقدان ستارمر مساندة قطاع عريض من ناخبي حزب العمال لا يعني أن الرجل بلا مؤيدين على الإطلاق، بل على النقيض من ذلك، واضح لكل متابع من كثب، وجود خيبة أمل لدى كثيرين، حتى من غير المنتمين للحزب، يرون فيما حصل نوعاً من «الانقلاب داخل الحزب»، ويشير معظم هؤلاء بإصبع الاتهام إلى أندي بيرنهام، عمدة مانشستر السابق، الذي يطمح، بل الطامع علناً، إلى الوصول للحكم. حجة مؤيدي ستارمر قوية أيضاً، وخلاصتها أن الرجل نجح في قيادة حزبه إلى انتصار ساحق، وأعاده إلى الحكم، وكان يستحق أن يُعطى الفرصة كي يكمل ولايته في قيادة الحزب ورئاسة الحكومة. ويبقى أن أختم بالسؤال الآتي: تُرى، هل هنالك حالات مشابهة لحالة ستارمر السياسية ذاتياً، وكذلك بصفتها البريطانية عموماً، على الصعيد العربي؟ مختصر الإجابة هو نعم، إنما التفصيل مؤلم، ويطول، لذا لا مفر من التأجيل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد