: آخر تحديث

ملامح الصفقة "السرية" بين وشنطن وطهران؟

1
1
2

تخلو كواليس السياسة من التنازلات المجانية والتحولات الفجائية القائمة على النوايا الحسنة، وتحل محلها تفاهمات تُصاغ بعناية داخل الغرف المغلقة وتحت الطاولة.

 هكذا تبدو موافقة المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، على الاتفاق الأخير مع واشنطن؛ إذ يبتعد المشهد تماماً عن كونه انتصاراً للدبلوماسية كما تروج بعض المنابر، ليغدو المظهر العلني لصفقة سرية فرضتها التبدلات الحادة في موازين القوى، وانحناءة إجبارية اختارها مركز القرار حمايةً لرأس النظام، بعدما كادت المغامرات العسكرية المتهورة تعصف بوجود الدولة من أساسها.

تأتي الرسالة التي وجهها المرشد إلى الداخل قبل الخارج لتكشف بوضوح عن طبيعة هذه التفاهمات الخفية. فرَبْطُ موافقته حصراً بتعهد الرئيس بزشكيان وتحمله المسؤولية يعكس مناورة سياسية واعية تحركها غريزة البقاء، وتدفعها المخاوف الحقيقية من انفجار غضب شعبي مكلوم ومكبوت بات يهدد أركان الحكم. 

لقد أفضت التفاهمات الحذرة إلى لجوء مجتبى خامنئي للخيار الدبلوماسي سعياً لإنقاذ البلاد من الاختناق المالي المطبق، مقابل التزام باهظ الثمن يضمن تحييد الحرس الثوري ولجم سطوته، بعدما قاد في الآونة الأخيرة ما يشبه الانقلاب العلني على بقية القوى السياسية، ومضى بطهران نحو هاوية الصدام الشامل مع المجتمع الدولي.

يتجاوز المشهد قشرته السطحية ليفصح عن مقايضة استراتيجية واضحة المعالم، تلتزم فيها طهران بفرملة تيار العسكر وتدشين تنازلات نووية صارمة مع ضمان أمن الممرات المائية، في مقابل حزمة إنقاذ اقتصادية تسمح بفتح الموانئ وتسهيل المعاملات البنكية وضخ النفط لتغذية الداخل المتردي. وفي المقابل، تحصد واشنطن مكاسب حيوية تتجاوز فكرة الاستثمارات المباشرة، وتتمثل في تأمين سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية في مضيق هرمز، وهو ما يضمن استقرار أسعار الطاقة ويحمي الاقتصاد العالمي من هزات التضخم.

وفي خضم هذا التراجع الوجودي، تطفو على السطح تناقضات صارخة في الداخل الإيراني تعكس رغبة واضحة في حفظ ماء الوجه. فبينما تقر الصفقة حرية الملاحة دون شروط، تخرج تصريحات رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، ملوحةً بفرض رسوم عبور على السفن المارّة عبر المضيق. يندرج هذا التناقض الفج في سياق الاستهلاك المحلي والمناورات الإعلامية الهادفة لامتصاص صدمة الانحناء أمام الواقع، فالجميع في طهران يدرك جيداً أن تحويل هذه الشعارات إلى واقع كفيل بتفجير التفاهمات فوراً وإعادة خنق النظام مالياً.

ولأن هذه الترتيبات محفوفة بالمخاطر، فقد هُندِس إخراجها السياسي بدقة؛ إذ وُضعت الرئاسة والحكومة في الخطوط الأمامية لتتحمل حكومة بزشكيان عبء المسؤولية، وتكون كبش الفداء الجاهز للتضحية في حال تعثرت التفاهمات أو تملصت واشنطن من وعودها، مما يرفع الحرج عن منظومة "الولي الفقيه".

 بيد أن البند الأكثر حساسية في هذه المعادلة السرية يتجسد في تضحية طهران بأوراق نفوذها الخارجي التي عاشت عليها عقوداً، وفي مقدمتها شبكة الوكلاء الإقليميين، حيث جرى طرح خدمات هذه الميليشيات على طاولة المقايضات الدولية لشراء بقاء مركز القرار الإيراني.

يفتح هذا التحول صفحة جديدة وقاتمة في مصير هذه الفصائل بعدما تحولت إلى أوراق تفاوضية محترقة. يجد حزب الله نفسه مدفوعاً بسقوف التفاهمات إلى مغادرة مربع "جبهات الإسناد الإقليمية" والانكفاء داخل المشهد اللبناني كلاعب محلي مقيد بالترتيبات الدولية. وفي الساحة اليمنية، يبدو الحوثيون الطرف الأكثر تضرراً من خذلان الحليف؛ إذ يجردهم الالتزام الصارم بوقف تدفق السلاح وتأمين البحر الأحمر من أوراق المناورة، ويضعهم أمام خيار إجباري بين الانصياع للسلام أو مواجهة الداخل المنهك. 

أما في العراق، فتخضع الفصائل لأوامر تهدئة إيرانية صارمة، مما يمنح القرار الرسمي في بغداد فرصة تاريخية للجم السلاح المنفلت والذهاب نحو التفكيك الناعم أو الدمج الإجباري، ليتراجع مفهوم "المقاومة" لمصلحة منطق "الدولة".

يؤكد هذا المشهد الإقليمي المتشكل أن منطق الاستقرار وبناء التنمية يفرض شروطه في نهاية المطاف على حساب الفوضى وتغول العقائد العسكرية. فعندما تنكفئ المغامرات العسكرية وتلتزم العواصم بالقوانين الدولية نتيجة صفقات الردع، تتنفس المنطقة الصعداء، وتتقلص نسب المخاطر السياسية، مما يمهد الطريق لبيئة اقتصادية آمنة تجذب الاستثمارات العالمية وتؤمن ممرات التجارة الدولية.

ومع ذلك، تظل قراءة هذه الصفقة محكومة بيقظة تامة ودبلوماسية واعية؛ فالانحناءة الراهنة قد تكون مناورة لتجاوز العاصفة في المدى القريب، مما يتطلب استمرار البناء واستثمار هذا التراجع لتعزيز المكتسبات المستقرة. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.