: آخر تحديث

جرائم وتآمر مستمران لا ينتهيان (4)

3
2
2

كان الموساد يعلم عام 1983 بأن مسلحين لبنانيين مسلمين يصنعون قنبلة ضخمة ذات حجم مختلف تمامًا عما رأوه. وبأن هدفهم أمريكي، ومع هذا لم يخبروا «الأمريكيين»، فأي هجوم مدمر عليهم سيكون مفيدًا لهم، ويساهم في تأجيج عدائها ضد العرب. وقد أثبتت إسرائيل مرارا أنها ليست شريكا استخباراتيا، بل منافس. ومعروف منذ 2014 أن الموساد قد اخترق اجهزة عدة في البنتاغون. كما أن قصة جوناثان بولارد، الذي يُعتبر بلا منازع أخطر جاسوس في تاريخ أمريكا، خير دليل على مدى تغلغل الاستخبارات الإسرائيلية في دول كثيرة. فقد سرب وثائق رهيبة وخطيرة لإسرائيل عن الاتحاد السوفيتي، استخدمتها اسرائيل لاحقًا لعقد صفقة مع السوفيت للسماح لأعداد أكبر من اليهود للهجرة لإسرائيل.

وعندما تم العفو عنه، قرر ترك وطنه والهجرة لإسرائيل، حيث استقبله نتانياهو في المطار استقبال الأبطال، في ازدراء تام للولايات المتحدة،. فأي نوع من الشركاء الاستخباراتيين كانت إسرائيل بالنسبة لرجال سفينة ليبرتي؟ في يونيو 1967، كانت تلك السفينة التجسسية، الأكثر تطوراً في العالم، تعمل في المياه الدولية، بالتزامن مع اندلاع حرب الأيام الستة. ومع هذا شنت إسرائيل هجوماً عليها، أسفر عن مقتل 34 عسكريا وإصابة 170 آخرين. ولا يزال ملف ذلك الحدث الدموي والغريب مفتوحا، حتى اللحظة، بالرغم من اعتباره خطأ عسكريا، وارد الوقوع.

كما من السخف وصف إسرائيل بمنارة للديموقراطية في المنطقة، فلا يحق لقرابة نصف سكانها، التصويت، فلنفكر في هذا الادعاء بالقيم المشتركة معنا، في ضوء الفظائع التي شهدناها في غزة ولبنان. ولنتذكر أن بعضاً من أسوأ هذه الادعاءات تأتي من جنود الجيش الإسرائيلي أنفسهم، بتدميرهم الممنهج للبلدات والحقول والمصانع والمدارس والجامعات، مبنى تلو الآخر. والحرمان المتعمد من الغذاء والدواء، واستخدام قنابل تزن 2000 رطل، تُلقى بتهور في مناطق مكتظة بالسكان. وتستخدم أسلحة فتاكة للسيطرة على الحشود، وفي نقاط توزيع الطعام، تقوم بإرسال مسيرات لتُلقي قنابل يدوية على الفلسطينيين العُزّل، أو استخدامهم كدروع بشرية لتطهير المباني. ومن سافر إلى غزة أصيب بالذهول، من حجم الدمار الذي اقترف فيها، والقتل حتى للأطفال، بصورة ممنهجة. وقد قتلت الحرب في غزة صحافيين أكثر مما قتلته الحرب الأهلية الأمريكية، والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام مجتمعة. والمجتمع الإسرائيلي يزداد انحطاطا يوميا، ففي استطلاع رأي أُجري الصيف الماضي، قال 82% من اليهود الإسرائيليين إنهم يؤيدون التهجير القسري لسكان غزة. و82% يريدون طرد جميع العرب قسرًا. ويقول البروفيسور الأمريكي المعروف «نورمان فينكلشتاين»: ان استطلاعا بيّن أن 47% من الإسرائيليين يؤيدون الإبادة الجماعية لأهالي غزة. وفي استطلاع آخر تبين أن 70% لا يؤمنون بوجود «أي أبرياء» في غزة، ويؤمنون بقتل الأطفال، حتى الرضع والكهول، واستهدافهم بالرصاص في رؤوسهم وصدورهم.

كما يضيف البروفيسور الأمريكي ميرشايمر: أعتقد أننا بلد قسوته لا تصدق. فحجم القتل والفوضى اللذين تسببنا بهما حول العالم غير معقولين، فقد بينت دراسة نشرتها مؤخرا «لانست» العلمية، ومتوفرة على الإنترنت، أن العقوبات الأمريكية للفترة من 1971 وحتى 2021 تسببت في وفاة 38 مليون شخص حول العالم. وكان حجم الدمار الذي ألحقناه بالشرق الأوسط، في السنوات الأخيرة، مذهلا، فهل فكرنا يوما في عواقب حرب العراق؟ وما نفعله في أماكن مثل فنزويلا وإيران وكوبا وأفغانستان، وكيف أننا نستخدم حجم «نفوذنا الاقتصادي» الهائل، لتجويع الناس، وجعلهم يعانون، ونفترض أن ذلك قد يدفعهم للانتفاض على حكوماتهم، ولم ينتج عن ذلك إلا الإضرار الشديد بالأبرياء، وبالتالي نحن لسنا دولة نبيلة!

* * *

هناك تحول جذري بين فئات الشعب الأمريكي، الذي أصبح يشعر بالضيق من الخضوع المخجل لإسرائيل. وحسب مؤسسة بيو للأبحاث، ينظر ما يقرب من ثلثي الأمريكيين إلى إسرائيل نظرة سلبية. وقد تضاعفت النسبة ثلاث مرات. ورغم وجود تباين كبير بين الحزبين، فإننا نتجه نحو توافق بينهما. إذ ينظر 80% من الديموقراطيين إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقابل 41% من الجمهوريين، وهو أمر غير مسبوق. ومن المتوقع أن تتعزز هذه التوجهات.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد