لم تخسر أوروبا في قمة بروكسل، التي انعقدت بين 17 و18 حزيران (يونيو) الجاري في بروكسل، فرصة تعيين مبعوث للتفاوض مع روسيا فحسب. بل خسرت مرة جديدة فرصة الاعتراف بالحقيقة الجغرافية والسياسية التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقول إنّ لا أمن مستدامًا للقارة من دون صيغة تفاهم مع موسكو. كما لا يمكن اختزال مستقبل أوروبا في بيانات عقوبات أو شحنات أسلحة أو دعوات متكررة إلى وقف إطلاق النار.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في شباط (فبراير) عام 2022، تصرفت أوروبا كأنّ دورها الطبيعي يقتصر على التمويل، والتسليح، ورفع سقف العقوبات. فيما تترك إدارة المسار السياسي للقوى الكبرى أو للمبادرات المتفرّقة. أما عندما تقترب لحظة البحث عن التسوية، يظهر العجز الأوروبي سريعًا: لا ممثّل موحّد، ولا تصور متكامل للأمن الأوروبي، ولا حتى اتفاق بين العواصم الكبرى حول من يملك الحقّ في التحدث باسم القارة!
في بروكسل قبل أيام، كرّر الأوروبيون دعمهم للمسار الدبلوماسي. لكنّهم لم يضعوا لهذا المسار وجهًا أو آلية محكومة بجدول سياسيّ واضح المعالم. ولهذا، بدت القمة وكأنّها تقول إنّ القارة الأوروبية العجوز تريد أن تكون جزءًا من التسوية، لكنّها ما زالت مربكة وغير مستعدة لتحمّل كلفة التفاوض. وهذه هي المفارقة الأوروبية الكبرى.
فالقارة التي حكمت العالم ذات مرة، تتحمّل اليوم تبعات الحرب الاقتصادية والأمنية والاجتماعية أكثر من غيرها، ولا تزال عاجزة عن امتلاك مقعد فعلي على مائدة هندسة مستقبلها. وهنا قد يسأل سائل: ما المطلوب أن يفعل الأوروبيون حيال ذلك؟ هل يتخلّون عن كييف؟
طبعًا، ليس المطلوب من أوروبا أن تتخلى عن أوكرانيا، ولا أن تمنح موسكو مكافأة سياسية مجانية. المطلوب من القارة الأوروبية، ببساطة، هو أن تفهم أنّ الدبلوماسية ليست تنازلًا، بل أداة لحماية المصالح. فالتفاوض قد لا يعني بالضرورة القبول بالشروط الروسية، لكن أيضًا العقوبات لا تعني امتلاك استراتيجية سياسية ناجحة.
أوروبا دفعت ثمنًا باهظًا لغياب هذا الفهم، وخسرت أسواقًا واسعة، وقطعت جانبًا كبيرًا من شراكات الطاقة التي بنت عليها صناعتها ونجاحاتها الاقتصادية لعقود. ووجدت نفسها أمام فاتورة دفاعية متصاعدة، في وقت تعاني فيه اقتصاداتها من تباطؤ النمو وارتفاع كلفة الطاقة وتراجع القدرة التنافسية أمام الولايات المتحدة والصين.
لقد تحولت القارة العجوز من لاعب اقتصادي يبحث عن الاستقرار إلى كتلة أمنية تستعد لحرب طويلة، من دون أن تمتلك ضمانة بأنّ هذه الحرب ستنتهي بالشروط التي تريدها.
والأخطر أنّ أوروبا لا تخسر علاقتها مع روسيا فقط، بل تخسر أيضًا هامش استقلالها السياسي. فكلما تأخر بناء قناة أوروبية مباشرة مع موسكو، توسّع دور الوسطاء الآخرين، وتراجع موقع الاتحاد في أيّ نقاش حول الأمن الإقليمي، والعقوبات، والطاقة، وإعادة الإعمار، وغيرها من ترتيبات ما بعد الحرب. وعندها لن تكون أوروبا شريكًا في صناعة التسوية، بل ممولًا لنتائجها.
قد يكون حديث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يوم الجمعة الفائت، عن مبادرته الدبلوماسية تجاه الكرملين التي أثارت انتقاد بعض دول التكتل، قد عكس إدراكًا متأخرًا، لكنّه كان إدراكًا واقعيًا. فالجغرافيا لا تتغير، وعلى الأوروبيين أن يعوا أنّ روسيا لن تختفي من الخريطة. أوروبا لن تستطيع أن تبني نظامًا أمنيًا دائمًا على فكرة "العزل المفتوح" إلى ما لا نهاية. فالمشكلة ليست في مبدأ الحوار، بل في أنّ الاتحاد الأوروبي لم يقرّر بعد: كيف؟ ومتى؟ ومن خلال من يريد أن يخوض هذا الحوار؟ وهنا طامته الكبرى.
أمّا اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اسم المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر لتولي مهمة الحوار مع موسكو، فلا ينبغي التعامل معه بوصفه حلًا أو مرشحًا ملزمًا، بل كرسالة سياسية: موسكو تريد محاورًا أوروبيًا لديه وزن، وقناة ثقة، وقدرة على الحديث خارج لغة البيانات. لأوروبا كامل الحق في رفض الاسم، لكنّها لا تملك ترف رفض مبدأ البحث عن شخصية، أو عن إطار قادر على فتح مسار جدي.
إن استمرار أوروبا في الجمع بين "التصعيد العسكري" و"الفراغ الدبلوماسي"، سيعني أنّ الحرب ستطول، والخسائر ستتوسع وسط تبعية أمنية و"طاقوية" لصالح واشنطن، مع إرجاء الحلّ إلى لحظة قد تكون فيها شروط القارة أسوأ مما هي عليه اليوم.
أوروبا لا تحتاج إلى الاستسلام أمام روسيا، لكنّها قد تحتاج إلى الشجاعة السياسية الكافية كي تعترف بأنّ السلام لا يُصنع من دون خصم، وأنّ الأمن لا يبنى من دون تفاوض.
لقد آن الأوان كي تسأل العواصم الأوروبية نفسها: هل تريد القارة إنهاء الحرب، أم تريد فقط إدارتها؟


