يضع الاتفاق الأميركي مع إيران، كما نُشر، إسرائيل أمام واحدة من أكثر المعضلات الاستراتيجية تعقيدًا في السنوات الأخيرة. فمن جهة، فإن أي خطوة تُبعد إيران عن امتلاك سلاح نووي وتمنع سباقًا نوويًا في الشرق الأوسط تُعد مصلحة إسرائيلية واضحة. ومن جهة أخرى، هناك خيبة أمل عميقة في إسرائيل بسبب الاعتقاد بأن الاتفاق، كما يُنظر إليه هنا، لا يقدم معالجة كاملة للتهديد الإيراني الأوسع، ولا يقلل من تأثير النظام المتشدد في المنطقة عبر وكلائه.
الميزة الأساسية لمثل هذا الاتفاق هي إمكانية خلق فترة من الاستقرار النسبي. فإذا تضمن الاتفاق آليات رقابة موثوقة، وإخراج المادة المخصبة لدرجة عالية من إيران، وفرض قيود على تخصيب اليورانيوم، وإشرافًا دوليًا فعالًا، فقد يؤدي إلى تأخير قدرة إيران على التقدم نحو السلاح النووي، أو منعه بالكامل كما تعهد الرئيس الأميركي ترامب. وعلى المستوى الإقليمي، فإن خفض مستوى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران قد يقلل من خطر اندلاع مواجهة عسكرية واسعة تؤثر على الشرق الأوسط بأكمله.
إضافة إلى ذلك، يسمح الاتفاق الدبلوماسي للولايات المتحدة بالحفاظ على دورها في المنطقة ومنع إيران من التحرك دون قيود. وبالنسبة إلى إسرائيل، يشكل الاستقرار الإقليمي عنصرًا مهمًا في الأمن القومي، خصوصًا في ظل مواجهتها تهديدات في عدة جبهات في وقت واحد.
لكن من وجهة النظر الإسرائيلية، توجد أيضًا مشكلات كبيرة. فالادعاء الأساسي في أورشليم-القدس هو أن التهديد الإيراني لا يقتصر فقط على المشروع النووي. فقد بنت إيران خلال سنوات منظومة إقليمية تشمل تنظيمات مسلحة، وصواريخ، وطائرات مسيرة، ونفوذًا سياسيًا في دول مختلفة. وأي اتفاق لا يتعامل بشكل مباشر مع قدرات الصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء الإيرانيين قد يترك العناصر الأساسية للتهديد قائمة.
هناك عامل آخر يثير قلق إسرائيل، وهو العلاقة التي نجحت إيران في إنشائها مع الوضع في لبنان، حيث إن أي هجوم كبير على مركز قوتها في بيروت قد يُعتبر خرقًا للاتفاق ويتيح لها الرد بالهجوم على إسرائيل، وهو شرط ترى إسرائيل أن واشنطن قبلته عمليًا من خلال فرض قيود على عمليات الجيش الإسرائيلي في لبنان.
كما تخشى إسرائيل من سيناريو تستخدم فيه إيران الاتفاق للحصول على تسهيلات اقتصادية، وإعادة بناء قدراتها الداخلية، ومواصلة نشاطها الإقليمي. ووفقًا لجهات إسرائيلية، فإن التجربة السابقة تشير إلى أن طهران تعرف كيفية استغلال المساحات الدبلوماسية لتحقيق مصالح طويلة المدى.
أما التأثير الإقليمي الأبرز للاتفاق فقد يكون تغيير ميزان القوى. فدول الخليج تتابع التطورات عن قرب، وقد تسعى بعضها إلى تفاهمات مع النظام الإيراني الذي قد يخرج أقوى ويحافظ على نفوذه في طرق تصدير النفط البحرية عبر مضيق هرمز. وفي المقابل، قد يدفع ذلك بعض هذه الدول إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع إسرائيل خشية عودة إيران إلى دور إقليمي أكثر تأثيرًا.
وفي النهاية، ستضطر إسرائيل إلى التعامل مع واقع جديد: الولايات المتحدة اختارت مسار الدبلوماسية مع إيران، بينما تواصل إسرائيل التأكيد أن مسؤولية أمنها تقع عليها. والتحدي سيكون الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تتحول سياسة الاحتواء إلى تجاهل للتهديدات طويلة المدى.


