تجري مباريات مونديال كأس العالم 2026 لمدة تسعين دقيقة على أرض الملعب، وتمتد البطولة على مدى تسعة وثلاثين يوماً فقط، لكن التغطية الإعلامية المصاحبة لها تبدأ قبل سنوات من صافرة البداية وتستمر لسنوات بعد إسدال الستار، ولهذا فإن المكسب الحقيقي للدول المستضيفة لا يرتبط بالملاعب أو المباريات فقط، بل بقدرتها على استثمار القوة الإعلامية الهائلة التي يصنعها الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
في الماضي كانت التغطية الإعلامية لكأس العالم تعتمد بشكل رئيس على القنوات التلفزيونية والصحف والمراسلين، أما اليوم فقد أصبح العالم يعيش ما يمكن تسميته بـ»المنظومة الإعلامية المتكاملة»، حيث تتداخل القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى والمؤثرون في صناعة روايات ومشاهد تصل إلى مليارات البشر حول العالم.
التلفزيون ما زال يحتفظ بمكانته باعتباره المنصة الأكثر تأثيرًا أثناء المباريات، فالمشاهدات التلفزيونية لكأس العالم تُقاس بالمليارات، وتتحول الاستوديوهات التحليلية والبرامج المصاحبة إلى منصات عالمية للتعريف بالدولة المستضيفة ومدنها وثقافتها ومشروعاتها التنموية، ولهذا فإن نجاح التغطية التلفزيونية لا يقتصر على نقل المباريات، بل يمتد إلى إبراز الصورة الحضارية للدولة وإظهار قدراتها التنظيمية والبنية التحتية التي تمتلكها.
لكن التأثير الأكبر خلال السنوات الأخيرة جاء من وسائل التواصل الاجتماعي، فكل مشجع أصبح اليوم وسيلة إعلام مستقلة يحمل هاتفًا ذكيًا قادرًا على بث الصور ومقاطع الفيديو ونشر تجربته بشكل لحظي إلى آلاف أو ملايين المتابعين، فتنتج الجماهير محتوى يفوق في حجمه وتأثيره ما تنتجه المؤسسات الإعلامية التقليدية، مما يجعل تجربة الزوار جزءًا أساسيًا من الصورة الذهنية التي تتشكل عن الدولة المستضيفة.
ومن هنا، تبرز أهمية إدارة المحتوى الرقمي باحترافية عالية، فالمقطع الذي يوثق تجربة مشجع في المطار أو الفندق أو وسائل النقل أو أحد المعالم السياحية قد يكون أكثر تأثيرًا من حملة إعلانية ضخمة، لأن الجمهور يميل إلى الثقة في التجارب الحقيقية التي يشاركها الأفراد أكثر من الرسائل التسويقية التقليدية.
أما المؤثرون وصناع المحتوى فقد أصبحوا لاعبًا رئيسًا في معادلة التأثير الإعلامي، فالدول والشركات لم تعد تعتمد على الحملات الإعلانية التقليدية فقط، بل باتت تستقطب مشاهير الرياضة وصناع المحتوى والمؤثرين في مجالات السفر والسياحة والتقنية والثقافة والطعام ونمط الحياة، لنقل تجاربهم مباشرة إلى جماهيرهم حول العالم.
النجاح في هذا المجال يتطلب استراتيجية متكاملة تبدأ قبل البطولة بسنوات، فالمحتوى الرقمي يجب أن يروي قصة الدولة المستضيفة، ويعرّف العالم بمدنها ومشروعاتها وفرصها الاستثمارية وثقافتها المحلية، كما يشمل ذلك إعداد المتحدثين الرسميين، وتمكين وسائل الإعلام العالمية، وتوفير مراكز إعلامية متطورة، وإتاحة الوصول السلس للمعلومات والبيانات والصور والمحتوى الرقمي.
ومع استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، تبرز فرصة تاريخية لبناء واحدة من أكبر الحملات الإعلامية في تاريخ المنطقة، فالمملكة لا تستضيف حدثًا رياضيًا عالميًا فحسب، بل تمتلك قصة تحول اقتصادي وتنموي واجتماعي استثنائية يمكن أن تصل إلى مليارات المشاهدين والمتابعين حول العالم.
إن نجاح التغطية الإعلامية لكأس العالم لا يُقاس بعدد ساعات البث التلفزيوني أو حجم المحتوى المنشور على المنصات الرقمية، بل بقدرة الدولة المستضيفة على بناء صورة ذهنية إيجابية ومستدامة تبقى لسنوات طويلة بعد انتهاء البطولة، فالمباريات تنتهي والكؤوس تُرفع والجماهير تغادر المدرجات والبطولات تُختتم، لكن الصورة التي تتشكل في أذهان العالم عن الدولة المستضيفة تبقى لعقود.

