رغم الدعاية الاستثنائية التي أحاطت بكتاب بوعلام صنصال الجديد، الصادر عن دار النشر غراسيه بعنوان دالٍ «الأسطورة» لم ينجح العمل في استقطاب القراء الفرنسيين بالزخم الذي كان متوقعاً له. فقد دخل الكاتب الجزائري - الفرنسي إلى سوق النشر محاطاً بظروف بدت مثالية لتحقيق نجاح كبير؛ تجربة سجن في الجزائر أثارت اهتمام الرأي العام، وحملة تضامن واسعة من جانب شخصيات سياسية وثقافية فرنسية، فضلاً عن دعم قوي من أوساط اليمين الفرنسي التي وجدت في مواقفه من الهجرة والدين والعلاقات المتوترة بين ضفتي المتوسط ما ينسجم مع رؤيتها للواقع الفرنسي المعاصر.
انعكس هذا الاهتمام في الحملة الترويجية الضخمة التي رافقت صدور الكتاب. فالمجموعة الإعلامية المرتبطة برجل الأعمال الفرنسي فينسان بولوريه، التي تضم وسائل إعلام مؤثرة، إضافة إلى دار النشر غراسيه، قد سخرت إمكانات كبيرة لتقديم الكتاب باعتباره حدثاً أدبياً وسياسياً من الطراز الأول. وكانت التوقعات تشير إلى أن العمل سيتصدر قوائم المبيعات فور صدوره.
غير أن النتائج الأولية جاءت أقل من تلك التوقعات. فحسب بيانات سوق النشر الفرنسية، احتل الكتاب المرتبة الرابعة خلال أسبوعه الأول، وهو ترتيب لا يمكن وصفه بالفشل، لكنه يبقى دون السقف المرتفع الذي رسمته الحملة الإعلامية المصاحبة له. فكل المؤشرات كانت توحي بأن الكتاب مرشح لاحتلال المركز الأول وأن يتحول إلى ظاهرة نشر تتجاوز توقعات الوسط الثقافي وحدوده.
تحدثت بعض الصحف الفرنسية عن عوامل ربما ساهمت في الحد من اندفاع القراء نحوه، من بينها ما قيل عن وجود أخطاء تحريرية تعكس استعجالاً في إخراج الكتاب إلى الأسواق، إضافة إلى الطابع السياسي الواضح الذي طبع العمل. كما أثارت الإشارات الإيجابية المتكررة إلى برونو روتايو، وزير الداخلية السابق وأحد أبرز وجوه اليمين الفرنسي، انتقادات من قراء ومعلقين رأوا في ذلك انحيازاً سياسياً يحد من قدرة الكتاب على مخاطبة جمهور فرنسي واسع ومتعدد التوجهات.
في المقابل، تبدو المقارنة مع كتاب نيكولا ساركوزي «يوميات سجين» كاشفة في هذا السياق. فالرئيس الفرنسي السابق تمكن من تحويل تجربته الشخصية إلى قصة جذبت جمهوراً يتجاوز أنصاره السياسيين. لقد قرأ كثيرون كتاب ساركوزي بدافع الفضول لمعرفة كيف عاش رئيس سابق تجربة السجن والعقوبة، فتحولت القصة إلى حدث إنساني قبل أن تكون حدثاً سياسياً.
أما بوعلام صنصال، فعلى الرغم من أن تجربته في السجن الجزائري كانت أكثر إثارة للتعاطف في نظر كثيرين، فإنه لم ينجح بالقدر نفسه في نقل تلك التجربة إلى مساحة إنسانية مشتركة تستقطب مختلف فئات القراء. فقد دخل الكتاب محملاً بأبعاد سياسية وآيديولوجية طغت أحياناً على البعد السردي ذي الطابع الإنساني، الأمر الذي جعل جزءاً من الجمهور يتعامل معه باعتباره موقفاً سياسياً أكثر منه رواية شخصية عن تجربة السجن.
والنتيجة أن حجم الدعاية لم يتحول تلقائياً إلى حجم مماثل من المبيعات. فالتسويق قادر على جذب الانتباه إلى الكتاب، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق علاقة بين النص والقارئ. وفي النهاية، يبدو أن صنصال نجح في فرض كتابه كحدث إعلامي، لكنه لم ينجح حتى الآن في جعله «أسطورة شخصية»، وحدثاً شعبياً بالقدر الذي نجح فيه ساركوزي، الذي استطاع أن يحول تجربة السجن إلى قصة لامست فضول الفرنسيين وشغفهم وحاستهم الإنسانية، بغض النظر عن مواقفهم السياسية.

