: آخر تحديث

هرمز... ليس لطرفٍ واحد!

2
2
2

بين تصريحات التهدئة ورسائل التصعيد، وبين جولات التفاوض وجهود الوسطاء، تقف منطقتنا اليوم أمام فرصة حقيقية لطي صفحةٍ من التوترات التي أرهقت الشعوب وأثقلت كاهل الاقتصاد وأشغلت العالم بأسره.

وخلال الأسابيع الماضية، تابعنا تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة، كان لدول مجلس التعاون الخليجي فيها حضورٌ فاعل، إلى جانب جهود مشكورة من دول شقيقة وصديقة، وفي مقدمتها دولة قطر وباكستان، سعيًا لتقريب وجهات النظر وتثبيت الهدن وفتح نافذة أمل نحو مرحلة أكثر استقرارًا وأقل توترًا.

غير أن اسمًا واحدًا ظل حاضرًا في كل نقاش وكل تصريح وكل قراءة للمشهد الإقليمي، وهو "مضيق هرمز".

كتب عنه غيري كثيرون، ذلك المضيق الذي لا يمثل مجرد ممرٍ بحري، بل يُعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، وممرًا ترتبط به مصالح دول وشعوب واقتصادات تمتد آثارها إلى مختلف القارات.

ولست هنا أطرح أمرًا جديدًا، فقد سبقني إلى الحديث عن هرمز كثير من الساسة والخبراء والمختصين الذين أكدوا مرارًا أن هذا المضيق ليس شأنًا يخص دولة واحدة، ولا يمكن اختزاله في رؤية طرف بعينه، مهما كانت مكانته أو قدراته.

فهرمز، ليس ملكًا لأحد، وليس ورقةً تفاوضية تخص طرفًا دون غيره. كما أنه ليس منطقة نفوذٍ حصرية تمنح جهة ما حق التحدث باسمه أو تقرير مصيره منفردة.

إن الحقيقة الجغرافية والسياسية تقول إن دول مجلس التعاون الخليجي هي الطرف الأكثر ارتباطًا بهذا الممر الحيوي، والأكثر تأثرًا بأي تطورات تمسه، وبالتالي فإن أمنه واستقراره وحرية الملاحة فيه مسؤولية مشتركة، وحقٌ مشروع لجميع الدول المطلة عليه والمستفيدة منه.

ومن هنا يبرز التساؤل الذي يتردد على ألسنة كثيرين: لماذا يُقدَّم الملف أحيانًا وكأنه مرتبط بطرف واحد فقط؟ ولماذا يُترك المجال لتتكرر الانطباعات التي توحي بأن قرار المضيق حكر على جهة دون غيرها؟

إن دول الخليج العربية دول ذات سيادة كاملة، ولها من الحضور السياسي والاقتصادي والدولي ما يجعل صوتها حاضرًا في كل ما يتعلق بأمن المنطقة وممراتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

ولعل زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الحالية إلى عدد من دول الخليج تأتي في توقيت مهم، لتؤكد مجددًا أن المنطقة لم تعد تقبل أن يُنظر إليها باعتبارها مجرد متلقٍ للأحداث، بل شريكًا أساسيًا في صناعة الاستقرار وحماية المصالح المشتركة.

ومع كل ذلك، يبقى الأمل كبيرًا في أن تنجح الجهود السياسية والوساطات القائمة، وأن تؤتي الاتصالات المكثفة التي تقودها دول مجلس التعاون الخليجي ثمارها، وأن يتحول الحديث عن الهدنة إلى واقع دائم ينعكس أمنًا واستقرارًا وازدهارًا على شعوب المنطقة كافة.

فما تحتاجه منطقتنا اليوم ليس مزيدًا من الشدّ والجذب، ولا تبادل الرسائل والاتهامات، بل بناء الثقة وتعزيز التعاون واحترام السيادة والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

خاتمتي؛ لقد أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي، قيادةً وشعوبًا، أنها كانت وما زالت عامل استقرار وحكمة واتزان في محيطٍ يموج بالتحديات.

واليوم، ونحن نتابع الجهود والوساطات والاتصالات المتواصلة، فإننا نرجو أن تنتصر لغة العقل على ضجيج الخلافات، وأن يتحقق ما تنشده شعوب المنطقة من أمنٍ دائم واستقرارٍ راسخ وتنميةٍ مستدامة.

أما مضيق هرمز، فسيبقى ممرًا دوليًا وخليجيًا مشتركًا، لا يُختزل في طرف، ولا يُدار بمنطق الاحتكار، بل بروح الشراكة والمسؤولية واحترام حقوق الجميع.

حفظ الله دول الخليج العربية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل مستقبلها أكثر إشراقًا ووحدةً وتعاونًا، إنه سميع مجيب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.