تتمتع كلمة "الحرية" بميزة خاصة تجعلها تبدو دائمًا فوق الشبهات. فالمصطلح يتبدل معناه بتبدل السياقات، لكنه يحتفظ دائمًا بقدرته على وضع الطرف الآخر في موضع دفاع؛ إذ إن مجرد التشكيك فيه يبدو، في كثير من الأحيان، وكأنه موقف مناهض للحرية ذاتها. ولهذا ليس غريبًا أن تلجأ شركات التكنولوجيا العملاقة، كلما طرحت الحكومات مشاريع لتنظيم الفضاء الرقمي، إلى رفع شعار الحرية الفردية، مقدمة نفسها بوصفها حصنًا في مواجهة سلطة الدولة التي، بحسب خطابها، تسعى إلى تقييد الحريات. وهكذا يُختزل النقاش في ثنائية مضللة: إما الحرية أو التنظيم.
لذلك، عندما أعلنت بعض الحكومات عن إجراءات جديدة لحماية القاصرين في البيئة الرقمية، سارع إيلون ماسك إلى الحديث عن تهديدات تمس حرية التعبير، بينما حذر بافيل دوروف من الانزلاق نحو "دولة مراقبة". وهي استجابة متوقعة، لكنها لا تقل فاعلية في تحويل قضية جماعية معقدة إلى مسألة تبدو وكأنها دفاع عن الحرية الفردية. غير أن قوة هذا الخطاب تكمن تحديدًا في قدرته على حجب جوهر النقاش الحقيقي.
وليست هذه الاستراتيجية حكرًا على العالم الرقمي. فصناعة التبغ، لعقود طويلة، دافعت عن "حرية التدخين" بينما كانت الأنظمة الصحية تتحمل الكلفة الاجتماعية والصحية الباهظة للتدخين. كما أن معارضي حزام الأمان اعتبروا فرضه شكلًا من أشكال الوصاية الأبوية، متجاهلين الأعباء الجماعية الناجمة عن الحوادث. فحين تحقق أنشطة معينة أرباحًا خاصة، بينما تلقي بأضرارها على المجتمع، يصبح أي تنظيم لها قابلًا للتصوير باعتباره اعتداءً على الحقوق والحريات.
والمنظومة الرقمية ليست استثناءً من هذه القاعدة. فشركات المنصات الكبرى تحقق أرباحًا هائلة من خلال الاستحواذ على انتباه المستخدمين وتحسين تدفق المحتوى خوارزميًا، لكنها في المقابل تنتج تكاليف اجتماعية جسيمة: من تدهور الصحة النفسية، خصوصًا لدى المراهقين، إلى الاستقطاب المعلوماتي، وصولًا إلى إضعاف النقاش العام وإفقاده عمقه.
لفهم ذلك، ينبغي الانتباه إلى الكيفية التي تعمل بها هذه المنصات. فالإنسان لا يختار في فراغ. كل قرار يتخذ داخل بيئة تجعل بعض الخيارات أكثر حضورًا وجاذبية من غيرها. فالمتاجر الكبرى، حين تضع المنتجات فائقة المعالجة في مستوى النظر، لا تفعل ذلك مصادفة، بل لتوجيه سلوك المستهلك. إنها "هندسة القرار". غير أن المنصات الرقمية تمارس هذا التأثير على نطاق أوسع وأكثر تعقيدًا؛ فهي لا تؤثر في سلة المشتريات فحسب، بل تعيد تشكيل طرائق اطلاعنا على العالم، وعلاقاتنا بالآخرين، بل وحتى الطريقة التي يبني بها الشباب هوياتهم الذاتية. والأخطر أنها تتعلم باستمرار من كل مستخدم، وتعيد تعديل نفسها آنيًا لتوجيه سلوكه بأكبر قدر ممكن من الفعالية.
إن التمرير اللامتناهي للشاشات، والتنبيهات المتواصلة، والتشغيل التلقائي للمحتوى، وتفضيل المواد المثيرة عاطفيًا، ليست خصائص محايدة أو حتمية للفضاء الرقمي، بل أدوات صُممت خصيصًا لإطالة مدة بقائنا داخل التطبيقات. صحيح أن خيار "تسجيل الخروج" لا يزال موجودًا شكليًا، لكن البيئة بأكملها مبنية بحيث يصبح الخروج أكثر صعوبة من البقاء.
ومن المفارقات، في هذا السياق، أن يجري الحديث عن خطر "دولة المراقبة"، في حين أن المنصات نفسها تمارس شكلًا دائمًا من الرقابة والرصد، عبر تصميمها للظروف التي نتخذ فيها قراراتنا. فهي تتحكم في هندسة الاختيارات اليومية وفق أهداف تجارية دقيقة. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك سلطة تتحكم في خياراتنا، بل: من يمارس هذه السلطة؟ وبأي معايير؟ ولصالح من؟
ويزداد هذا النقاش حساسية حين يتعلق الأمر بالقاصرين. فالمراهق الذي يواجه نظام توصية قائمًا على الذكاء الاصطناعي لا يقف أمام خصم متكافئ. إنه يواجه منظومة راكمت بيانات ملايين المستخدمين، وتتكيف في الزمن الحقيقي مع أنماط سلوكه وانفعالاته. وفي ظل هذا الاختلال الهائل في موازين القوة، يصعب الحديث عن "حرية اختيار" حقيقية لدى شخص لا يزال في طور التكوين النفسي والإدراكي.
وقد دفعت هذه الحقيقة النقاش إلى الساحتين القانونية والقضائية. فالأحكام الأخيرة الصادرة ضد شركة ميتا في الولايات المتحدة، والتي قورنت مبكرًا بالدعاوى التاريخية ضد شركات التبغ، تشير إلى أن القضية لم تعد مجرد جدل سياسي. وفي شباط (فبراير) 2026 خلصت المفوضية الأوروبية، بصورة أولية، إلى أن تصميم تطبيق تيك توك ينتهك قانون الخدمات الرقمية بسبب خصائصه الإدمانية. وفي الوقت ذاته، بدأت دول أوروبية عدة مناقشة فرض قيود على وصول القاصرين إلى بعض المنصات، بينما حذر مدعون عامون في الولايات المتحدة من المخاطر الناتجة عن التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والمراهقين.
ومن الناحية القانونية، تتقاطع هنا مبادئ أساسية مثل مصلحة الطفل الفضلى، وحماية البيانات، والحق في النمو الحر للشخصية؛ وهي مبادئ يصعب التوفيق بينها وبين بيئات رقمية صُممت لاستنزاف الانتباه على حساب النوم والتركيز والصحة النفسية وتقدير الذات. كما ينبغي التذكير بأن أي حق، في الديمقراطيات الدستورية، ليس مطلقًا؛ فحرية التعبير، والملكية الخاصة، وحرية السوق، تخضع جميعها للموازنة مع اعتبارات أخرى كالصحة العامة وحماية الطفولة.
ومن ثم، فإن تنظيم تصميم المنصات الرقمية لا يمثل خروجًا على المبادئ الليبرالية، ولا شكلًا من أشكال الرقابة، بل هو تطبيق لمنطق قانوني راسخ يقوم على الموازنة بين الحقوق والمصالح العامة. كما أنه لا يعني شيطنة التكنولوجيا، وإنما الاعتراف بأن هذه المنصات تحولت إلى بنى اجتماعية كبرى يتجاوز أثرها حدود مستخدميها المباشرين.
لذلك، فإن تصوير النقاش باعتباره اختيارًا بين الحرية والتنظيم ليس سوى محاولة للهروب من القضية الجوهرية. فالتنظيم لا يحد من حرية المواطن، بل من حرية الجهات التي تصمم الظروف التي يختار المواطن في إطارها. إن تصميم الفضاء الرقمي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات اقتصادية ومؤسساتية يمكن إعادة التفكير فيها وإخضاعها لنقاش ديمقراطي حقيقي.
فالحرية، في معناها الأعمق، ليست غياب القيود، بل القدرة الجماعية على تقرير ماهية هذه القيود وحدودها.


