: آخر تحديث

ترامب الفاشي الوردي

2
1
1

ربما لم يسجل التاريخ حاكمًا مثل ترامب الذي حقق أهدافه السياسية بخوف العرب من سياسته لا بسياسته. منذ عاد ترامب إلى الحكم، والعرب ذاتيًا يحققون ما ينادي به ترامب من سياسات، وقد لا يكون جادًا في تحقيقها. فما إن يهذر ترامب بفكرة فنتازية سياسيًا حتى تجد العرب يهتمون لها ويقلقون منها، ويعود ذلك إلى طبيعته الشخصية الاستثنائية لترامب، وتمرده على القيم السياسية الأميركية التقليدية.

ويدرك أقل ساسة العرب خبرة بالسياسة الأميركية أنه مهما بلغ أي رئيس أميركي من الاستثنائية والشعبوية والكاريزما، فهو عاجز عن الخروج كليًا من معطف السياسة الأميركية العميقة، لأن مؤسسات الحكم الأميركي لها قيودها التي لا تجعل الرئيس مطلق الحرية في تنفيذ خطته الذاتية، ومزاجه السياسي، وتتأسس هذه المؤسسات على مجموعة مراكز بحثية، وترتبط بثقافة سياسية أميركية عميقة الجذور في خصائص تاريخ نشأة أميركا وتكوينها الثقافي.

لكن ذلك لا يمنع الرئيس الأميركي من المناورة والمبادرة، وإبراز مؤثرات خصوصية أسلوبه في تحقيق استراتيجيات السياسة الأميركية وأهدافها، وتمنحه أن يقوم بانزياحات في العلاقات الخارجية من غير أن تشكل قطيعة جذرية مع علاقاتها التقليدية مع الحلفاء والخصوم. ولا نجد خرقًا كبيرًا لرؤساء أميركا في تبديل تحالفاتها وأعدائها، إلا إذا كان هذا التبديل ناتجًا عن تحول أساسي في سياسة الحليف أو الخصم.

وربما يُعدّ في العقود الأخيرة الرئيس ترامب أكثر رؤساء أميركا خروجًا عن سرب السياسة الأميركية التقليدية من غير أن يشكل ذلك خرقًا جذريًا، ويتجلى هذا الخروج في أكثر صوره بالأسلوب لا بجوهر استراتيجية أميركا، وتطرفًا في تنفيذ رؤاه ولا سيما التطرف "النيوليبرالية" الاقتصادية، إضافة إلى تصديره صورة مرعبة لجرأته في توظيف قوة أميركا العسكرية بحسم في ما يتصدى من خصوم.

لقد أسهمت قراءات كبار صنّاع الفكر السياسي وأكاديمِييه لشخصية ترامب السياسية في تكوين تلك الصورة المرعبة عن ترامب. فسبقت هذه الصورة أفعاله، وجعلت ساسة العرب يتسابقون في تحقيق ما يتخيلون بأنه حاسم بتنفيذه. فكانوا في ظل الخوف منه أسبق ساسة العالم في التماهي مع طروحاته. وكان من أبرز مَن أثار الرعب من سياسته الفيلسوف مايكل هاردت، صاحب الكتاب الشهير "الإمبراطورية"، فقال: إن ترامب شخصية استثنائية، وقائد يميني شعبوي، استثمر الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأميركا والعالم فتبوأ منصة لا تطال على مسرح السياسة العالمية. وقد تبنى النهج "النيوليبرالي" حلًا للأزمة الاقتصادية، وهي مجموعة أفكار أيديولوجية قائمة على الليبرالية الاقتصادية التي تدعو للرأسمالية المطلقة وتغييب تدخل الدولة.

ويضيف هاردت: مزج ترامب هذا النهج بنزعة قومية بقصد التعبئة الجماهيرية التي تقوي سياسته في ازدراء المؤسسة السياسية التقليدية، أو الدولة العميقة (الإستبلاشمنت).

طبعًا هذا التوجه لا يناقض رأينا في قيود الاستراتيجيات السياسية لأميركا، ففي نهاية المطاف ترامب يجسد في شخصيته تكوين الشخصية الأميركية الرأسمالية النفعية، والاستراتيجيات السياسية الأميركية في أساسها نابعة من التكوين الشخصي للأميركي النفعي، لكن ترامب، وبسبب مجيئه من عالم رأس المال التجاري المحض إلى السياسة، ينقصه الكثير من التفكير الدبلوماسي الأميركي الذي يتمتع به مختلف رؤساء أميركا السابقين، لذلك محكوم بردة فعل ذلك الشعور الذي يدفعه للانفلات من التقليد السياسي في تحقيق تلك الاستراتيجيات.

يدعم هذا الرأي ما كتبه جوناثان فريلاند في صحيفة "الغارديان" البريطانية متسائلًا: "هل أنتم مستعدون لترامب بلا قيود؟"، ويضيف: "ترامب لم يُظهر أي شيء سوى عدم احترام صارخ للحدود أو القيود من أي نوع، أنتم على حق إلا أنكم لم تروا شيئًا بعد". ويعلل الكاتب خلفية تمرد ترامب، بأن الدافع وراء ذلك هو مزاجه المناهض للحكام الحاليين. ومن الأميركيين مَن يؤيده لأنهم يشعرون بآثار صدمة التضخم التي أعقبت جائحة كوفيد. كما أن أي حوار مع ناخبي ترامب سوف يتحول سريعًا إلى حديث عن أسعار البنزين المرتفعة وفواتير المواد الغذائية. وترامب بارع بدغدغة هذا الشعور عندهم.

ويدعم القلق الحاد من سياسة ترامب أهم فلاسفة السياسة الإيطاليين، جياني فاتيمو، فيقول: "أنا مقتنع بأن رئيس الولايات المتحدة لا يفعل ما يريده دائمًا. ولكن، من المفهوم، أنه إذا فاز ترامب، ستتغير الأوضاع الدولية. لا يمكننا أن نعرف كيف ستكون. هذا الرجل يمكنه الوصول إلى السلاح النووي".

ويرى الفيلسوف الفرنسي ألان باديو أن "الكثير من الناس خائفون وقلقون من وصول ترامب إلى الرئاسة. ترامب هو بقعة على وجه العالم السياسي المعاصر، وظاهرته لا تفسّر إلا بأنّها انعكاس للقبح في الوضع العالمي عمومًا".

أما عالم اللسانيات الأميركي نعوم تشومسكي، فيطلق عليه الفاشي الودود، ويقول: "لسنوات عديدة، كتبتُ، وحذّرت من خطر صعود شخصية تملك الكاريزما والأيديولوجيا المؤثرة في الولايات المتحدة. شخص يمكنه استغلال الخوف والغضب الذي يغلي في معظم فئات المجتمع الأميركي، ويوجه هذا الغليان بعيدًا عن أسبابه الحقيقية إلى أهداف أكثر خطورة. وسيؤدي هذا قطعًا إلى ما يسمّيه عالم الاجتماع بيرترام غروس بـ"الفاشية الودودة". وذلك يتطلب أيديولوجيًا مخلصًا لأيديولوجيته، من نوع هتلر مثلًا، لا شخصًا أيديولوجيته الوحيدة هي أناه".

وربما الأكثر واقعية وصفه بالفاشي الوردي، لأن سياسة ترامب تقوم على مبدأ الترهيب والترغيب، وهو فياض وسخي بالترغيب بسياسته وأهدافها، يبني لهم عالمًا ورديًا تدغدغ أحلام الكثير من الطامحين إلى حياة اقتصادية رغيدة، وترامب بالرغم من استقوائه بقوة أميركا والتلويح بها، إلا أنه يستخدم هيبتها لا قوتها المباشرة، بفاشية ناعمة، وتلك سمات التاجر الأميركي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.