: آخر تحديث
قراءة في التحولات الأمنية والجيوسياسية في اليمن

اغتيال محمد عيضة… عندما تنتقل الحروب من الجبهات إلى العقول

4
4
4

لم يكن اغتيال الصحفي محمد عيضة مجرد خبرٍ عاجلٍ عابر مرّ على شريط الأخبار، ولن يكون رقماً جديداً يُضاف إلى سجل الضحايا في اليمن المنهك بالحروب والصراعات، بل جريمة جديدة تُضاف إلى مسلسل استهداف الكلمة الحرة وإسكات الأصوات التي اختارت أن تنحاز للحقيقة في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة نفسها هدفاً للرصاص.

وتأتي هذه الجريمة في سياقٍ مؤلم من الاعتداءات والانتهاكات التي طالت الصحفيين والإعلاميين اليمنيين خلال سنوات الحرب، والتي كان من أبشع صورها جريمة اغتيال الصحفية رشا خالد في مدينة عدن، وهي في شهرها التاسع من الحمل، في واقعة هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهز الوسط الصحفي، إذ لم تستهدف الجريمة حياة صحفية فحسب، بل طالت أماً كانت على أعتاب استقبال حياة جديدة، لتتحول المأساة إلى رمزٍ بالغ القسوة لحجم الانهيار الذي أصاب منظومة القيم وسيادة القانون.

لقد كانت تلك الجريمة، بما حملته من وحشية وتجرد من الاعتبارات الإنسانية، شاهداً على أن ضحايا العنف في اليمن لا يُستهدفون بسبب أدوارهم المهنية فقط، بل يصبحون أحياناً ضحايا لحالة عامة من الإفلات من العقاب والفوضى التي جعلت الدم اليمني رخيصاً أمام حسابات القوة والصراع.

فالحدث، في توقيته، ومكانه، وطبيعته، وهوية المستهدف، يفرض نفسه باعتباره واقعة سياسية وأمنية تستحق قراءة تتجاوز الانفعال الآني، نحو محاولة فهم ما قد يكون أحد أخطر التحولات في بنية الصراع اليمني.

لقد اعتاد اليمنيون خلال العقد الماضي على رؤية الدبابات والطائرات والمدفعية وهي ترسم خرائط السيطرة، لكن المشهد يبدو اليوم وكأنه ينتقل تدريجياً إلى مستوى أكثر تعقيداً؛ حيث تصبح العبوة الناسفة، والاغتيال النوعي، والحرب الاستخباراتية، أدوات لإدارة التوازنات، وربما لإعادة رسمها.

إن اغتيال صحفي يعمل مراسلاً لإحدى أكبر الشبكات الإعلامية العربية لا يُقرأ باعتباره حاداً منفصلًا، بل باعتباره رسالة. 
والسؤال الحقيقي في عالم الاستخبارات ليس: من قُتل؟ بل: لمن وُجهت الرسالة؟ ومن المستفيد من إرسالها؟

اليمن… من حرب الجيوش إلى حرب الشبكات

عندما اندلعت الحرب اليمنية عام 2015، كان المشهد واضحاً نسبياً؛ جبهات، قوات، تحالفات، وغارات جوية. 
أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر تشظياً.

لم يعد اللاعبون الرئيسيون وحدهم من يتحكمون بمسار الأحداث، بل ظهرت شبكات محلية، وقوى غير نظامية، وأجهزة أمنية متعددة، ومراكز نفوذ متداخلة، لكل منها حساباتها وتحالفاتها.

وهذه البيئة هي البيئة المثالية لما يسميه علماء الأمن بـ “حروب الظل”؛ 
وهي الحروب التي لا تُدار عبر الجيوش، بل عبر المعلومات، والاختراقات، والاغتيالات، والحرب النفسية، والضغط على مراكز التأثير.

وفي مثل هذه الحروب، يصبح الصحفي، والقاضي، والباحث، والناشط، أهدافاً محتملة، لأن تأثيرهم يتجاوز تأثير السلاح أحياناً.

لماذا محمد عيضة؟

السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا قُتل؟

بل: لماذا اختير هو؟

الرجل لم يكن قائداً عسكرياً، ولم يكن مسؤولاً سياسياً، ولم يكن زعيماً قبلياً.

لكنه كان يحمل صفة أخرى لا تقل أهمية في زمن الصراعات الحديثة؛ كان صانعاً للرواية الإعلامية.

لقد أثبتت الحروب المعاصرة، من أوكرانيا إلى غزة، أن السيطرة على الصورة قد تكون أكثر أهمية من السيطرة على الموقع العسكري.

فالخبر الذي يصل إلى ملايين المشاهدين قد يغير المزاج السياسي أكثر مما تغيره معركة ميدانية محدودة.

ومن هنا تكتسب هوية الضحية أهمية استثنائية.

المكلا… الرسالة إلى المدينة قبل الرجل

ربما يكون أخطر ما في هذه العملية أنها وقعت في المكلا.
فحضرموت ظلت خلال السنوات الماضية تُقدَّم باعتبارها نموذجاً نسبياً للاستقرار داخل اليمن.

ولذلك فإن تنفيذ عملية بهذا المستوى داخل مدينة تُصنف بأنها أكثر أمناً من غيرها يرسل رسالة مزدوجة:

الأولى، أن الفاعل يمتلك القدرة على العمل داخل بيئة يفترض أنها مستقرة.
والثانية، أن مفهوم “الاستقرار” نفسه أصبح موضع اختبار.
إن الاغتيالات لا تستهدف الأشخاص فقط، بل تستهدف الثقة.
وعندما تبدأ الثقة بالتآكل، تبدأ الدولة بفقدان أهم أدواتها، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة.

هل نحن أمام حرب استخبارات؟

لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تسمح بتحديد الجهة المنفذة.
لكن طبيعة التنفيذ تفتح الباب أمام قراءة استخباراتية.
زرع عبوة ناسفة في سيارة شخص بعينه يحتاج إلى:

٠ مراقبة دقيقة.
٠ معرفة بالروتين اليومي.
٠ قدرة على الوصول إلى المركبة.
٠ اختيار توقيت مناسب.
٠ الانسحاب دون إثارة الانتباه.

هذه ليست خصائص جريمة انفعالية.
بل خصائص عملية مخططة.

غير أن التخطيط لا يعني بالضرورة انتماء المنفذين إلى جهاز استخباراتي رسمي؛ فقد تمتلك جماعات مسلحة أو خلايا منظمة مثل هذه القدرات أيضاً.
ولهذا فإن أي محاولة للقفز مباشرة إلى اتهام دولة أو جهاز بعينه تبقى غير مستندة إلى أدلة معلنة.

الإعلام… الجبهة الخامسة

كان المنظّر العسكري البروسي كلاوزفيتز يرى أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى.
أما اليوم، فيمكن القول إن الإعلام أصبح امتداداً للحرب بوسائل أخرى.
فالمؤسسات الإعلامية لم تعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في تشكيل الإدراك العام، وصناعة الشرعية، وإدارة الرأي العام.
ولهذا فإن استهداف صحفي يعمل مع مؤسسة إعلامية ذات تأثير إقليمي لا يمكن فصله عن الصراع على السردية.
إن الحرب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل تُحسم أيضاً أمام شاشة الهاتف، وعلى منصات الأخبار، وفي وعي الجمهور.

الخطر الحقيقي
قد يكون اغتيال محمد عيضة أخطر مما يبدو.
ليس لأنه استهدف صحفياً فقط.
بل لأنه قد يفتح الباب أمام مرحلة يصبح فيها الخوف جزءاً من البيئة الإعلامية.
فالصحفي الذي يشعر بأنه قد يدفع حياته ثمناً لتغطية خبر، سيعيد تلقائياً حساباته المهنية.
وهنا تحقق الجريمة هدفها حتى قبل معرفة منفذها.

إن أخطر أشكال الاغتيال ليست قتل الإنسان، بل قتل الشجاعة.
هل يتغير شكل الصراع؟
إذا تكررت عمليات من هذا النوع، فإن اليمن سيكون أمام انتقال نوعي في الصراع.
سنكون أمام حرب لا تبحث فقط عن السيطرة على الأرض، بل عن السيطرة على الإدراك.
حرب تستخدم الرصاص عندما تحتاج إليه، لكنها تعتمد أكثر على الرسائل، والرموز، والخوف، والاغتيالات الدقيقة.
وفي مثل هذه الحروب، لا يكون الهدف إسقاط مدينة، بل إعادة تشكيل سلوك مجتمع كامل.

الخلاصة:

قد تكشف التحقيقات مستقبلاً من خطط ونفذ هذه الجريمة، وقد لا تكشف.
لكن المؤكد أن اغتيال محمد عيضة أعاد طرح سؤال كبير حول مستقبل الأمن والإعلام والدولة في اليمن.

فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على حماية الحقيقة، وصون المجال العام، وضمان أن يبقى الصحفي قادراً على أداء عمله دون أن يتحول كل خروج إلى الميدان إلى احتمال للعودة في نعش.

ولعل أخطر ما في الحروب ليس عدد ضحاياها، بل اللحظة التي يصبح فيها اغتيال حامل الكاميرا أكثر تأثيراً من سقوط دبابة في ساحة المعركة. 
ففي تلك اللحظة تكون الحرب قد غادرت الجبهات، واستقرت في العقول، وتحولت من صراع على الجغرافيا إلى صراع على الوعي.

وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يسيطر على الرواية؟ ومن يملك القدرة على صناعة الخوف، وتوجيه الإدراك، وإعادة تعريف الحقيقة في أذهان الناس؟

إن الدول قد تخسر مدينة ثم تستعيدها، وقد تتراجع في معركة ثم تنتصر في أخرى، لكن خسارة الثقة في القانون، والأمن، وحرية الكلمة، هي خسارة أكثر عمقاً وأطول أثراً.

فالدولة لا تقوم على السلاح وحده، وإنما تقوم أيضاً على يقين المواطن بأن حياته وحقوقه مصونة، وأن الحقيقة ليست هدفاً مشروعاً للاغتيال.

ومن هنا، فإن قضية محمد عيضة لا ينبغي أن تُختزل في ملف جنائي يُغلق بإعلان أسماء المنفذين ــ إذا أُعلنوا ــ بل يجب أن تكون مناسبة لمراجعة أوسع تتعلق بحماية الصحفيين، وكفاءة المنظومة الأمنية، وقدرة مؤسسات الدولة على منع تحول الاغتيال إلى أداة لإدارة الخلافات السياسية أو توجيه الرسائل الأمنية.

فإذا كانت الحروب التقليدية تُقاس بعدد المواقع التي تسقط، فإن حروب الظل تُقاس بعدد العقول التي تُرهب، والأصوات التي تصمت، والحقائق التي لا تجد من يجرؤ على روايتها.

ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في اليمن: هل كان اغتيال محمد عيضة حادثة استثنائية ستكشف الحقيقة ملابساتها ويُحاسب مرتكبوها، أم أنه إنذار مبكر بدخول البلاد مرحلة أكثر تعقيداً، تصبح فيها الكلمة هدفاً، والصحفي ساحةً للصراع، والإعلام أحد ميادين الحرب؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكتبها التحليلات، بل ستكتبها نتائج التحقيقات، وقدرة الدولة على إنفاذ العدالة، وإصرار المجتمع على حماية الحق في المعرفة.

فالحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تظل الركن الأول لأي سلامٍ مستدام، وأي دولةٍ تريد أن تنتصر للقانون لا للخوف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.