تعرفت إلى الدكتور أحمد حسون عندما كان لا يزال مفتياً على حلب. قمنا بزيارته في مكتبه ثم دعانا إلى غداء حافل بالأطايب الحلبية. كانت شخصية المفتي منفتحة وصريحة، ويعتمر عمامة بيضاء واسعة. ولما أشرت إلى صورته المختلفة، ضحك قائلاً إن الناس في الماضي، اعتادت أن ترى رجل الدين متنقلاً على دابة، وقد دار همس كثير عندما رأى أهل حلب سيارة مرسيدس ضخمة تقف أمام دار الإفتاء. قامت بين المفتي وبيني مودة سريعة. وبعد أشهر جاء إلى طرابلس لحضور مؤتمر ديني وطلب أن أكون في رفقته. مجموعة كبيرة من الأفاضل المعممين وأنا الحاسر الوحيد. أمسك الجمع أنفسهم عن أي تعبير، غلب الوقار على المشهد. بعد ذلك بقليل، علمنا أن الرجل أصبح مفتي سوريا خلفاً لأحد أشهر مفتيها آنذاك، الشيخ أحمد كفتارو.
لم تعد هناك مناسبات التقي فيها الشيخ المنفتح. فقد كبرت مسؤولياته وعلا موقعه الديني، ومثل كل شيء آخر في سوريا، طغت السياسة على كل شيء. ودخلت سوريا في مرحلة من الفوضى والاضطراب والخلل الاجتماعي. وصرنا نسمع أخبار المفتي بين الأخبار الصعبة، كما صار يلقب ألقاباً غير لائقة مثل «مفتي البراميل».
يوم الجمعة الماضي طالعتنا من دمشق صور رجل عملاق الجسم يرتدي قميص السجن المقلم بالعريض. كان التلفزيون على الصامت فلم أعرف من هو. رجل هائل القامة حاسر الرأس تائه النظرات حزين وفيه مذلة. كيف لي أن أعرف أن هذا الرجل هو مفتي حلب قبل عقدين. إنه العربي مرة أخرى. طريق مندرج وطريق متدرج.
«اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم». تهم صاحب السماحة تبدو غير قابلة لأي سماح.

