: آخر تحديث

معبد الجسد.. والموت المتوحش

4
4
4

أراقب هذا المشهد المليء بالبيانات والتحاليل المعملية، وأتساءل: هل نحن بصدد تطويل العمر، أم أننا بصدد تحويل حياتنا إلى "مشروع تخرج" لا ينتهي؟ 

لقد أصبح الجسد البشري في عالم "البيوهاكينغ" (Biohacking - أي التحكم البيولوجي والعبث بالوظائف الحيوية لتحسين الأداء) مجرد "نظام" يحتاج إلى تصحيح؛ إذ لم نعد نأكل للذة، إنما لضبط الأنسولين، ولم نعد ننام للراحة، إنما لتحسين كفاءة مرحلة الـ "ريم" (REM - مرحلة حركة العين السريعة أثناء النوم، المرتبطة بأعمق درجات الراحة الذهنية).

هذا الولع بالتحكم لم يأتِ من فراغ؛ فقد بدأت جذور "البيوهاكينغ" في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة كمزيج عفوي بين "الهوس التكنولوجي" و"الفضول البيولوجي" في مرائب وورش عمل كاليفورنيا. بدأ الهواة آنذاك بتجارب بسيطة لدمج التكنولوجيا بالجسد، كزرع رقائق إلكترونية تحت الجلد. مع مرور الوقت، تطورت هذه التجارب من "هواية" إلى صناعة بمليارات الدولارات تهدف إلى اختراق شيفرة الشيخوخة. تحول هذا الطموح التقني إلى قيدٍ يومي، حيث أصبح الشخص العادي "مستخدماً" يراقب أداءه الحيوي كما يراقب مهندسٌ أداءَ "سيرفر" (Server - خادم بيانات) معقد.

إلا أن هذه المحاولة لتحويل الجسد إلى آلة دقيقة أتت بثمنٍ باهظ؛ إذ استشرى في الأوساط الشعبية قلقٌ مبرر من أن الشخص الذي يعيش بمسطرة وقلم، مراقباً كل غرام من الملح، يرحل فجأةً قبل غيره ممن تجاهلوا تلك الحسابات. نحن هنا أمام "متلازمة العافية"؛ فالجسد لا يفهم لغة الأرقام بقدر ما يفهم التوازن. عندما تصبح الصحة وظيفة بدوام كامل، يرتفع هرمون "الكورتيزول" (Cortisol - هرمون التوتر)؛ إذ إن السعي المحموم لتجنب الأمراض يضع الجسد في حالة "تأهب أمني" دائم، مما يمهد الطريق للأمراض ذاتها التي نحاول الهروب منها، وقد يتفاقم هذا ليصل إلى "الأورثوريكسيا" (Orthorexia - وهو اضطراب نفسي يتمثل في الهوس المرضي بتناول الطعام الصحي).

وهنا يبرز التباين الحاد بين المدارس؛ ففي المعسكر الغربي، يقود "ديف أسبري" (Dave Asprey)، الأب الروحي للحركة، نهجاً صدامياً يرى الجسد عدواً يجب ترويضه عبر القهوة بالزبدة وغرف التبريد، طامحاً للعيش 180 عاماً. هذا التوجه يفتقر إلى البساطة التي نجدها في التراث الياباني، حيث يبرز مفهوم "هارا هاتشي بو" (Hara Hachi Bu) كقاعدة فطرية للتوقف عن الأكل قبل الشبع، متجاوزةً الحسابات الرقمية لتصل إلى استجابة جسدية واعية. لا يتوقف الأمر عند حدود المعدة، إذ يمتد ليشمل "إيكيجاي" (Ikigai)؛ وهي فلسفة البحث عن معنى للحياة. تعمل هذه المبادئ اليابانية كاختراق بيولوجي حقيقي يقلل التوتر، مما يجعلها نقيضاً للهوس الغربي الذي يحاول السيطرة على الجسد بصرامة عسكرية، متجاهلاً أن الانسجام مع الطبيعة هو مفتاح الاستدامة الحقيقي.

إن هذا الهوس لا يفسره العلم وحده؛ فهو يعكس في جوهره خوفاً شنيعاً من الفناء في عالمٍ فقد اليقين الروحاني، فأصبح الجسد المعبد الوحيد، والنتائج المعملية هي الكتب المقدسة. نحن، في محاولتنا لزيادة عدد السنوات، ننسى زيادة "الحياة" في تلك السنوات. فحين ترفض دعوة عشاء لأنك لا تضمن جودة زيت الزيتون، أو تتردد في لقاء صديق لأن توقيت لقائه يفسد "صيامك المتقطع" (Intermittent Fasting)، فإنك لا تطيل عمرك، إنما تحول حياتك إلى تجربة سريرية مملة.

ختاماً، إن الصحة الحقيقية أن نمتلك جسداً قادراً على خوض غمار الحياة، لا جسداً ننشغل طوال الوقت بحمايته من أوهامنا. بالتأكيد، العناية بالصحة واجب، وممارسة الرياضة وتناول الغذاء المتوازن تصرفات ذكية، غير أن المشكلة تكمن في تحول هذا الاهتمام إلى وسواس قهري وحسابات معقدة بالمسطرة والقلم. فالهدف من العناية بأجسادنا هو أن نمنحها الوقود الكافي لنمارس حياتنا بشغف، لا أن نقضي عمرنا في "ترميم" هذا الوقود ومراقبته. 

في نهاية المطاف، لن يهم يوم رحيلك كم كانت قراءات ساعتك الذكية دقيقة، إنما سيظل الأثر في كم مرة استمتعت فيها برائحة القهوة دون أن تسأل: "هل ترفع الأنسولين؟". 

دعوا "الهاكرز" لأجهزتهم، ولنترك نحن الحياة تأخذ مجراها الطبيعي؛ فهي أقصر من أن نقضيها في عدّ السعرات والنتائج. 

عش بذكاء، اهتم بصحتك، ولكن لا تنسَ أن تعيش.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.