لا تنهض الأوطان بالصمت، كما لا تسقط بسبب الاختلاف. فكل مجتمع حي يحتاج إلى أصوات تراقب، وتنتقد، وتدفع نحو التصحيح. لذلك لم يكن الاعتراض يومًا نقيضًا للاستقرار، بل كان أحد شروطه. غير أن التاريخ يضع أمامنا حقيقة لا تقل أهمية؛ فليس كل اعتراض مشروعًا، وليس كل معارضة تؤدي بالضرورة إلى الإصلاح. هناك لحظة دقيقة يعبر فيها النقد من ضفة البناء إلى ضفة الهدم، ويتحول فيها الدفاع عن المبادئ إلى اعتداء على حقوق الناس.
منذ أكثر من ألفي عام، كان سقراط يجوب شوارع أثينا محاورًا الناس، يطرح الأسئلة ويهز المسلمات. لم يكن هدفه إسقاط مدينته، بل دفعها إلى التفكير. ولهذا بقي رمزًا للفيلسوف الذي رأى أن النقد وسيلة لتقوية المجتمع، لا لتفكيكه. وبعد قرون، كتب جون ستيوارت ميل في كتابه «عن الحرية» أن الرأي المخالف ضرورة لحماية الحقيقة من الجمود، لكنه ربط حرية التعبير دائمًا بالمسؤولية، لأن الحرية التي تتحول إلى وسيلة للإضرار بالمجتمع تفقد بعدها الأخلاقي.
الفيلسوف كارل بوبر ذهب أبعد من ذلك عندما ميّز في كتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» بين الإصلاح الذي يعالج أخطاء المؤسسات ويحافظ عليها، وبين الهدم الذي يبدأ بشعارات جذابة وينتهي بتقويض الدولة نفسها. فالبناء يحتاج إلى صبر وعقل، بينما لا يحتاج الهدم إلا إلى لحظة اندفاع.
من هنا وُلدت فلسفة المعارضة في الديمقراطيات الحديثة. فالمعارضة ليست وظيفة لتعطيل الدولة، ولا منصة لرفض كل ما يصدر عن الحكومة، بل هي شريك في حماية النظام السياسي من أخطائه. ولهذا استطاعت الديمقراطيات الراسخة أن تجمع بين حكومة قوية ومعارضة قوية، لأن الطرفين يدركان أن المنافسة تدور على إدارة الدولة، لا على وجودها.
تقدم بريطانيا مثالًا واضحًا على ذلك. ففي خضم الحرب العالمية الثانية استمرت المعارضة البرلمانية في مراقبة الحكومة وانتقاد قراراتها، لكنها لم تجعل من ظروف الحرب فرصة لإضعاف الدولة أو تعميق الانقسام الداخلي. كان الخلاف السياسي قائمًا، لكن الجميع أدرك أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأن سقوط الدولة لن يترك منتصرًا.
هذه هي الحدود التي تمنح الاعتراض قيمته. فالاعتراض الذي يهدف إلى تصحيح الأخطاء، ومكافحة الفساد، وتحسين أداء المؤسسات، يمثل أحد أعمدة الديمقراطية. أما الاعتراض الذي يتحول إلى رفض دائم لكل إنجاز، ويبحث عن الفشل حتى في لحظات النجاح، فلا يصنع إصلاحًا، بل يغذي الإحباط ويزرع الشك في كل شيء.
المشكلة لا تبدأ عندما تختلف الأحزاب، فذلك جزء طبيعي من أي نظام ديمقراطي. لكنها تبدأ عندما تنسى الأحزاب سبب وجودها. فالتعددية السياسية لم تُخلق لتصفية الحسابات، وإنما لتقديم برامج مختلفة تخدم المجتمع. وحين يصبح الحزب المعارض جزءًا من تشكيل سياسي لا يجمعه مشروع إصلاحي، بل يجمعه هدف واحد هو إسقاط حزب آخر، حتى لو كان الثمن تعطيل المؤسسات، أو المساس بحقوق المواطنين، أو إضعاف الكيان السياسي الذي يحمي الجميع، فإن القضية لم تعد منافسة ديمقراطية، بل انحرافًا عن جوهر العمل السياسي.
قد تخسر الأحزاب انتخابات، وقد تعود إلى السلطة بعد سنوات، وهذه طبيعة الديمقراطية. أما الشعب فلا ينبغي أن يكون الخاسر في كل معركة حزبية. فلا يجوز أن تتحول حقوق المواطنين إلى أدوات ضغط، ولا أن تصبح مصالحهم رهينة للصراع السياسي، لأن الولاء الأول في أي تجربة ديمقراطية يجب أن يكون للوطن، لا للحزب.
الخيانة ليست دائمًا صورة لجاسوس يسلم أسرار بلاده، ولا تبدأ بالضرورة بحمل السلاح. أحيانًا تبدأ عندما تُقدَّم المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، وعندما يصبح إضعاف الخصم السياسي هدفًا يبرر الإضرار بحقوق الشعب أو تقويض مؤسساته. عندها يتغير جوهر الاعتراض، فلا يعود وسيلة للإصلاح، بل وسيلة لإضعاف المجتمع نفسه.
التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد هذه الحقيقة. فالدول التي نجحت لم تكن خالية من المعارضة، لكنها امتلكت معارضة تدرك أن نجاح الوطن لا يتعارض مع نجاحها السياسي. أما الدول التي تحولت فيها الأحزاب إلى أدوات للهدم المتبادل، فقد دفعت أثمانًا باهظة من استقرارها واقتصادها وثقة شعوبها بمؤسساتها.
الفارق بين المعارضة والخيانة لا يُقاس بحدة الخطاب، ولا بعدد البيانات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بالسؤال الذي يبقى حاضرًا في كل تجربة سياسية: هل يخدم هذا الموقف حقوق الشعب، أم يضر بها؟ هل يقوي المؤسسات، أم يضعفها؟ وهل يفتح بابًا للحلول، أم يغلقه بحثًا عن مكسب حزبي عابر؟
تبقى السياسة عملًا أخلاقيًا قبل أن تكون منافسة على السلطة. ولهذا لا يُسأل السياسي في نهاية المطاف عن عدد المرات التي اعترض فيها، بل عن الأثر الذي تركه اعتراضه في حياة الناس. فالمعارضة التي تحفظ الحقوق، وتراقب السلطة، وتقدم البدائل، هي شريك في بناء الدولة. أما المعارضة التي تجعل من إسقاط خصومها غاية تتقدم على مصالح المجتمع، فقد تجاوزت حدود الاختلاف السياسي، ودخلت منطقة يفقد فيها الاعتراض معناه، ويقترب من الخيانة.
الأوطان لا تخاف من النقد الصادق، لأنها تتقوى به، لكنها تخشى أولئك الذين يرفعون شعارات الإصلاح بينما يحولون السياسة إلى معركة تستنزف حقوق الناس وتبدد منجزاتهم. فحين يصبح انتصار الحزب أهم من انتصار الوطن، لا يخسر حزبٌ واحد، بل يخسر الجميع.

