خرج المنتخب السعودي من البطولة في المركز الأخير، ليست المشكلة في الخسارة، فالرياضة تعلّمنا أن ننتصر أحيانًا ونخسر كثيرًا، لكن المشكلة أن الخسارة أصبحت النتيجة الأكثر ثباتًا في مشروع يُفترض أنه الأغلى والأطول والأكثر دعمًا في تاريخ الكرة السعودية.
خرجنا من آسيا، فقيل إن المدرب هو المشكلة. غُيّر المدرب، ثم دخلنا تصفيات كأس العالم، وقدمنا مستويات لا تشبه تاريخ الكرة السعودية ولا حجم الإنفاق عليها، وتأهلنا إلى الملحق بشق الأنفس، بلا شخصية واضحة، ولا أداء يُطمئن، ولا هوية يمكن أن يتشبث بها المشجع. فقيل إن إدارة المنتخب هي المشكلة، فغُيّرت الإدارة أيضًا ومعها المدرب، ثم ذهبنا إلى أميركا، وعاد المشهد نفسه، وكأن كل ما تغيّر هو الأسماء، أما النتيجة فلم تتغير أبدًا.
إلى متى سنظل نبحث عن شماعة جديدة لكل إخفاق؟ مرة المدرب، ومرة الإداري، ومرة الحكم، ومرة الحظ. بينما الحقيقة المؤلمة أن المشكلة أكبر من الأشخاص، وأن المنظومة كلها مطالبة بأن تواجه نفسها قبل أن تواجه الجماهير.
حين ترى منتخبًا مثل الرأس الأخضر ينافس ويبلغ الأدوار المتقدمة، بينما يتذيل منتخبنا المجموعة، فمن حقك أن تسأل: أين ذهبت كل هذه الملايين؟ أين نتائج الأكاديميات؟ أين مخرجات المشروعات؟ أين الوعود التي تتكرر كل عام بأن القادم أجمل؟
لسنوات طويلة نسمع الكلمات نفسها: استراتيجية، حوكمة، تحول، مشروع، خبراء، مستشارون، تطوير، رؤية… لكن الجماهير لا تدخل الملعب لتشاهد الشعارات، تدخل لتشاهد منتخبًا يعرف كيف ينافس ويقاتل ويحقق البطولات. وفي النهاية، كرة القدم لا تعترف بعدد الاجتماعات ولا بعدد العروض التقديمية، بل تعترف بما يظهر على لوحة النتائج.
الآن نحن على أعتاب استضافة بطولة آسيا على أرضنا، والجميع يتحدث عن التنظيم والمنشآت والجماهير، وهذا أمر نفتخر به بلا شك، لكن البطولة لن تُحسم بجمال الملاعب ولا بروعة الافتتاح، بل بما يقدمه المنتخب داخل المستطيل الأخضر، وإذا دخلنا البطولة بالعقلية نفسها، وبالعمل نفسه، وبالنتائج نفسها، فلا ينبغي أن نتفاجأ إذا كررنا الخروج نفسه.
جيل كامل من الجمهور منذ عام 2003 لم يعرف طعم بطولة كبرى، أكثر من عقدين من الزمن، وأقصى ما بقي في الذاكرة انتصار تاريخي على الأرجنتين، وهو انتصار سيظل جميلًا، لكنه لا يمكن أن يكون مشروع كرة قدم كاملًا، ولا يجوز أن يتحول إلى وسادة ننام عليها كلما تكرر الإخفاق، المنتخبات تُقاس بما تحققه من بطولات واستمرارية، لا بمباراة واحدة مهما كانت عظيمة.
الجماهير لم تعد تطلب المستحيل، ولم تعد تطالب بكأس العالم، هي تطالب فقط بمنتخب يليق بما يُصرف عليه، ويعكس حجم الاستثمار الهائل الذي ضُخ في الرياضة السعودية، وحين لا يحدث ذلك، فمن الطبيعي أن تتحول الأسئلة إلى غضب.
لسنا ضد الاستفادة من الخبرات العالمية، لكن الخبرة الأجنبية لا يمكن أن تكون بديلًا عن بناء الكفاءة الوطنية، ولا يجوز أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها، النجاح الحقيقي هو أن نصنع منظومة قادرة على إنتاج مدربين وإداريين وفنيين سعوديين يقودون المشروع بثقة وكفاءة، لا أن نبقى أسرى لفكرة أن الحل دائمًا يأتي من الخارج.
لقد مللنا سماع الخطط أكثر مما رأينا نتائجها، ومللنا الوعود أكثر مما فرحنا بالإنجازات. والواقع، بكل صراحة، يقول إن ما تحقق حتى الآن لا يتناسب مع حجم الدعم ولا مع طموح الوطن.
قبل أن نستضيف آسيا، لا نحتاج إلى مؤتمر صحفي جديد، ولا إلى شعار جديد، ولا إلى حملة إعلامية جديدة، نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن ما حدث لا يليق، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتوقف المنظومة عن تبرير الفشل، وتبدأ في محاسبة نفسها.
والأكثر إيلامًا أننا مقبلون على استضافة كأس آسيا، ومع ذلك ما زلنا لا نعرف من سيمثل المنتخب، ما زالت الأسماء تتبدل، والتجارب مستمرة، وكأن الوقت في صالحنا، لا يمكن أن ندخل بطولة بحجم كأس آسيا ونصف التشكيلة ما زال محل بحث، أو أن تكون نسبة كبيرة من اللاعبين لم تستقر بعد داخل المشروع. المنتخبات التي تحقق البطولات تبني عمودها الفقري قبل سنوات، أما نحن فما زلنا نتصرف وكأن كل بطولة هي بداية مشروع جديد. ولا نريد، بعد اليوم، أن يخرج علينا أحد ليقول: «خرجنا بشرف»، فهذه العبارة لم تعد تُقنع أحدًا، الشرف الحقيقي في المنافسة هو أن تكون حاضرًا حتى النهاية، وأن تنافس على الكأس، لا أن نبحث بعد كل إخفاق عن جملة لطيفة تخفف وقع الهزيمة، المنتخبات الكبيرة لا تكتفي بالخروج المشرف، إنما تعتبر عدم تحقيق البطولة إخفاقًا يستوجب المراجعة.
لقد تعب المشجع من سماع عبارة «المشروع يحتاج وقتًا»، فالوقت مُنح، والدعم مُنح، والإمكانات مُنحت، وما ينقص اليوم ليس الصبر، بل النتائج.
الجماهير لا تريد كلمات أكثر… بل تريد منتخبًا يعيد إليها الإيمان بأن الكرة السعودية ما زالت قادرة على صناعة المجد.

