: آخر تحديث

الحضر والبشر والمركبات

4
3
4

في مطلعِ الألفية اشتكى سكانُ أسيوطَ في جنوب مصرَ من زحامِ السيارات، واستجابَ المسؤول. أصدرَ أوامرَه بإزالة أرصفةِ المشاة تماماً من أجل توسيع الشوارع. لا أتحدَّثُ هنا عن جزرٍ في وسط الطريق، أو أرصفةٍ عريضة على جانبيه، أتحدَّثُ عن الأرصفةِ العادية في الشَّوارعِ السَّكنية الداخلية. صِرْتَ تخطو خارجَ بابِ بيتِك فتجدُ نفسَك على الأسفلت. الأخطرُ من كلّ هذَا أنَّ حقَّ المارةِ أغمط، وزادَ الخطرُ عليهم.

المشكلةُ هنا لا تقتصرُ على قرارٍ محليٍّ سيئ، بل تمتدُّ إلى طريقةِ تفكير طرحتْ هدفاً خاطئاً، بديلاً عن الهدفِ الصحيح وهو زيادةُ الانسيابية.

الفارقُ يبدو ضئيلاً على السَّطح، لكنَّه شاسعٌ في العمق. على السَّطح توسعةُ الطريقِ تؤدّي إلى زيادةِ الانسيابية وهذه تؤدّي إلى زيادةِ السُّرعة. لكنْ في العمق، استهداف زيادة الانسيابية يعني أنَّ السُّرعةَ نتيجةٌ جانبية وليست مؤشّراً لتحسُّنِ الوضع. وبالتالي فالإجراءاتُ تركّز على تخطيطِ الطريق بأسلوبٍ جديد، وعلى توزيعِ الاختناق والتَّحكمِ في سرعة تقاطر السيارات، وتهيئة مسارات جديدة حول المناطق السَّكنية لا عبرها.

هذا التَّفكير يحترمُ الغرضَ الأساسيَّ للتخطيط الحضري، وهو الحفاظ على مقومات المكانِ الأساسية الخاصة بساكنيه، مثل الرَّصيف الآمن الذي يستوعب جميعَ الأعمار والحالات البدنية، ومناطق عبور المشاة، وتقليل الإزعاج. وهذا التفكيرُ يدرك أنَّنا بنينَا الحضر ليكون سكناً، بكل ما تحمل الكلمةُ من دلالاتِ الطمأنينة والسَّكينة والأمن.

إن غاب هذا الجذر عن ذهن المسؤول أنبت عقله أفكاراً لا تنتمي إلى التَّخطيط الحضري، من عينة أنَّ كلَّ رصيف هدر للمساحة، وكل شجرة عائق. وأنَّ توسعة الأسفلت على حسابهما لكي تسير السيارات أسرع، هو الحل العبقري الذي غاب عن مخططي المدن قبله.

الحفاظ على السّعة الاستيعابية للمكان أساسي في توفير مستوى حياة آدميّ، لكنَّه أيضاً مهم اقتصادياً للحفاظ على القيمة. المنطقة التي بنيت بمعايير معينة من العلاقة بين الحيز والبراح تفقد قيمتها إن اختلت هذه العلاقة اختلالاً سلبياً. وهذا السبب في تدهور كثير من المشاريع المعمارية التي تبدأ واعدة، ويدفع الناس فيها ملايين، وفي خلال أقل من عشرين عاماً تتحوَّل بقدرة مسؤول محدود الأفق إلى مكان فقد مميزاته الأصلية، وحُشِر فيه ما يفوق طاقته. فالأماكن، مثل البشر، لا ينبغي أن نكلفها إلا وسعها.

والزحام من ثم مقياس الألمِ للجسم الحضري ينبهك إلى مشكلة عليك تشخيصها بدقة وعلاجها بحكمة. فإمَّا أن يكون ناتجاً عن تخطيط سيئ للطرق، وفي هذه الحالة فإنَّ التخطيطَ الجيد سيحل المشكلة. وإمَّا أن يكون ناتجاً عن أنَّ المكانَ بلغ حدودَه واستنزف طاقته الاستيعابية. وهنا الحل الوحيد أن تنتقل إلى مراكزَ حضرية جديدة. إذ علاج الإحساس بالتخمة ليس توسيع المعدة. وما نسميه مشكلة ترييف الحضر أو انتشار العشوائية نشأ في أصله من تجاهل السعة الاستيعابية وحشر ما يفوق طاقة المكان.

عواصمُ العالم تعاني في معظمها من مشكلة الزحام، لكن الإدارة الذكية لا تحل المشكلة بالتَّخلص من الحزام الأخضر، أو بمحو الأرصفة. بل تقرأ الزحام بوصفه مؤشراً سكانياً، وأداة ليد السوق الخفية، يبلغك ذلك أنَّ هذا المكان كامل العدد. فلا تنتقل إلى العيش فيه ما لم يوفر لك ميزة اقتصادية تمكنك من ذلك. وإلا فالأفضل لك أن تبحثَ عن فرصة أفضل في مكان جديد. وبهذا تكافح به الهجرة العشوائية، وتشجع على نقل الأنشطة والبشر إلى مراكز جديدة.

حركةٌ انسيابية منظمة بطيئة تحترم الطاقةَ الاستيعابية للمكان، وتحترم رفاهية ساكنيه، أفضل بشرياً واقتصادياً وإدارياً من سرعة مصطنعة ناتجة عن محو مقوماته الأساسية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد