: آخر تحديث

النجاح والفشل كلاهما كذبة

4
3
3

خافيير باردم الفنان الإسباني العالمي في آخر أحاديثه قال: «يجب ألا نتزوج النجاح أو الفشل؛ فكلاهما كذبة».

باردم يقصد قطعاً الاستسلام المطلق لكلا الإحساسين، إذا حققت انتصاراً فلا بأس أن تتقبل بعدها فشلاً، فهو ليس أبداً نهاية العالم. الفوز مثلاً يقرأه النجم من خلال عدد الجوائز التي حصل عليها وأرقام شباك التذاكر التي تؤكد أنه والجمهور على موجة واحدة، قد تكتشف في الفيلم التالي خُفوت الإقبال الجماهيري، فلا تعتبر ذلك نهاية العالم.

أتذكر مثلاً المخرج الراحل الكبير داود عبد السيد، بعد أن حقق فيلمه «الكيت كات» بطولة محمود عبد العزيز، أرقاماً قياسية في شباك التذاكر، وحظي بالعديد من الجوائز ووضعه مهرجان «دبي السينمائي الدولي» في المركز الثامن باعتباره أفضل فيلم عربي في الاستفتاء الذي أجراه عام 2013؛ قال داود إنه بدأ يكرر مع نفسه كل يوم تلك الجملة «الكيت كات فيلم فاشل»؛ حيث كان يخشى أن يظل أسيراً للنجاح الجماهيري والنقدي لهذا الفيلم.

يملك كل فنان مساحة يستطيع من خلالها المغامرة، من الممكن أن يكتشف أنه «حسبها غلط»، حتى كبار المبدعين أحياناً لا يستطيعون تجنب أخطاءهم إلا بعد أن يتجرعوها.

مثلاً في مطلع الأربعينات قررت أم كلثوم أن تثبت لكبار ملحنيها أمثال رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي أن سر النجاح يبدأ بأم كلثوم وينتهي بأم كلثوم، اتفقت مع شاعرها الأقرب أحمد رامي على أن يكتب أغنية تقدمها للملحن الجديد فريد غصن مطلعها «وقفت أودع حبيبي»، رددتها «الست» مرة واحدة على المسرح، ولم تسجلها، وأيضاً لم تعدها في أي حفل آخر، طلبت من المقربين إليها، «أقصد كبار (السميعة) الذين كانوا يسجلون أغانيها» أن يمسحوا التسجيل نهائياً؛ هذه الأغنية لن تجد لها أي نسخة متداولة، حتى ملحنها وهو من أصول لبنانية، ومن أشهر عازفي العود، لم يجرؤ أن يسجلها بصوته أو يسندها لأي مطربة أخرى.

أم كلثوم أحالت نار الهزيمة إلى نور يضيء لها الطريق، وأيقنت أنها لا يمكن أن تصنع أسطورتها من دون ملحنين كبار تثق في ذائقتهم الموسيقية.

عبد الحليم حافظ اعتقد أن من حقه أن يقدم بصوته أي أغنية سجلها أحد المطربين قبله، طالما أعجبه اللحن، وهكذا غنّى «يا رايحين الغورية»، تلحين كمال الطويل، كانت الأغنية قد اشتهرت بصوت مطربها الأول محمد قنديل، حيث اكتشف عبد الحليم أنه أخفق في الاختيار، وأن اللحن مضبوط تماماً على نبرات صوت قنديل، ولهذا بعد أن حقق نجاحاً يؤهله أن يطلب من الإذاعة استبعاد تلك الأغنية ففعلها، وكررها أيضاً مع عدد من أغنيات أخرى قدمها في بداياته نحو 30 أغنية صارت ممنوعة من التداول.

استمعت مؤخراً إلى المخرج خيري بشارة متحدثاً عن فيلمه «إشارة مرور» 95، لم يحقق الفيلم النجاح المرتقب، وقال إنه يتحمل بمفرده الإخفاق، وقارنه مثلاً بفيلمه «كابوريا» الذي قدمه قبلها بخمس سنوات ببساطة تعبيرية فحقق نجاحاً استثنائياً.

الأغنيات التي سكنت قلوب الناس، تكتشف أنها جاءت أقرب إلى ومضة بين المبدع والجمهور. هل النجاح والفشل كلاهما كذبة كما قال باردم؟ الواقع يؤكد تلازمهما، عندما تعانق النجاح يجب عليك أن تترقب أنك في اللحظة التالية من الممكن أن يصادفك الفشل... الحياة أشبه برقعة لعبة قديمة اسمها «السلم والثعبان»، قد يأتي إليك سلم يدفعك لأعلى نقطة على الرقعة، بعدها قد يصادفك ثعباناً، يهبط بك لأبعد نقطة في القاع، المهم أن تواصل الصمود، وتنتظر سُلّماً يرفعك مجدداً للذروة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد